الحوارات الصّباحيّة

ملتقى التأثير المدني” في مسار الحوارات الصّباحيّة معنيّ بالدّفع باتّجاه بناء سياسات عامّة، كما السّعي مع شركائه في القِوى المجتمعيّة الحيّة للالتِزام بحوكمة رشيدة أساسها قِيام دولة المواطنة السيّدة الحرّة العادلة المستقِلّة يسُودُها تطبيق الدّستور وإنفاذ القوانين المرعيّة الإجراء، مع احتِرام مبادئ الشّفافيّة والإنتاجيّة والمساءَلة والمحاسبة.

 في لُبنان، وتحت وطأةِ الانهِماك في التحديات اليوميّة، ومع أهميّة استعادة الفِكْر إلى الشأن العامّ، يعُود “ملتقى التأثير المدني” ليقرأ الحاجة إلى إطلاق مسار حواراتٍ صباحيّة (Morning Dialogues) مع أصحاب الاختِصاص في موضوعاتٍ وطنيّة، واقتصاديّة – اجتماعيّة، وثقافيّة، بما يُعيد إلى المساحة العامّة المشتركة في الرّأي العامّ، بعضًا من بوصلتِها الملتبسة.

  الأهداف

  1. جمع ذوي التخصّص والخِبرة مع فاعليّات في القِوى المجتمعيّة الحيّة للتّفكير في مآزِق لبنان والحلول.
  2. إشراك فاعليّاتِ القوى المجتمعيّة الحيّة في حواراتٍ مفتوحة تتّجه إلى بناء تصوّراتٍ لسياساتٍ عامّة وتشكيل أُسسٍ لحوكمة رشيدة بحسب ما يرِدُ في رسالة وهدف “ملتقى التأثير المدني“.
  3. استنهاض الرّأي العامّ للانخراط في تفكيرٍ علميّ بعيدًا عن المقاربات السّطحيّة والنمطيّة، واستِعادة منطق العِلْم في عالم الشأن العامّ ربطًا بالخير العامّ.
  4. توفير مادّة نِقاش في الإعلام ووسائل التّواصُل الاجتماعيّ حول القضايا الوطنيّة مع تمّاسِها باللّحظة الرّاهِنة، إنّما مع فهم مسبّبات ما يُعايشُه الشعب اللُّبناني أكثر منه الانكفاء إلى فَهْم العَوارض.

اللقاء الأوّل 19-10-2022

“جوهر وثيقة الوفاق الوطني المادّة 95 من الدّستور

لمحات من اللّقاء الأوّل من مسار الحوارات الصّباحيّة “جوهر وثيقة الوفاق الوطني المادّة 95 من الدّستور”.

لمشاهدة الحلقة كاملة

اللّقاء الاول أتى تحت عنوان “جوهر وثيقة الوفاق الوطني المادّة 95 من الدّستور” بهدف  الإضاءة على التطورات المستجدة على الساحة اللبنانية في هذه المرحلة بالذات، ولا سيما تلك المتصلة بالاستحقاقات الدستورية والسياسية التي تفرض إعادة الاعتبار للدستور نصًّا وروحا من أجل بناء دولة المواطنة الحرة والسيدة والعادلة والمستقلّة. في بداية اللقاء الذي نقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّ بالملتقى، كان النشيد الوطني اللبناني وبعده وثائقي : “ملتقى التأثير المدني : عشر سنوات/ القضيّة لبنان والإنسان”.

بيان صحفي

في اللقاء الأوّل “جوهر وثيقة الوفاق الوطني المادّة 95 من الدّستور

ملتقى التأثير المدني يُطلق مسار “الحوارات الصباحية” الشهريّة

 

الخليل: معنيّون كملتقى بمواجهة الانقِلاب على الدُّستور واستِباحة السّيادة

قانصوه: تأجيل إلغاء الطائفية تأجيل للدولة

يونس: إتّفاق الطّائف خلاصُ لبنان وميثاقُهُ الكيانيّ

أطلق ملتقى التأثير المدني اليوم اللقاء الأول من مسار “الحوارات الصباحية” الشهرية  قبل ظهر اليوم في فندق الجفينور – روتانا الحمرا في حضور نخبة من أركان  القانون والدستور والثقافة والفكر والإعلام، وفاعليّاتٍ أكاديميّة، وناشطاتٍ وناشطين في المجتمع المدني.

اللّقاء الاول أتى تحت عنوان “جوهر وثيقة الوفاق الوطني المادّة 95 من الدّستور” بهدف  الإضاءة على التطورات المستجدة على الساحة اللبنانية في هذه المرحلة بالذات، ولا سيما تلك المتصلة بالاستحقاقات الدستورية والسياسية التي تفرض إعادة الاعتبار للدستور نصًّا وروحا من أجل بناء دولة المواطنة الحرة والسيدة والعادلة والمستقلّة. في بداية اللقاء الذي نقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّ بالملتقى، كان النشيد الوطني اللبناني وبعده وثائقي : “ملتقى التأثير المدني : عشر سنوات/ القضيّة لبنان والإنسان”.

كلمة الخليل

بعدها ألقى رئيس “ملتقى التأثير المدني”  فيصل الخليل كلمة ترحيبيّة أشار فيها إلى أن “الأوجاع التي تعاظمت على كُلّ المستويات الماليّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والاستشفائيّة، والتربويّة. فرضت على الملتقى بان يكون معنيا بمُقاربة مسبِّبات هذه الأوجاع حيثُ يستمرّ الانقِلاب على الدُّستور، واستِباحة السّيادة، وتعميم الفساد، والانقِضاض على العدالة”، وأضاف  الخليل “لم نَزَل نُعاني المحاصصة والزبائنيّة، وتحالُف المافيا والميليشيا الذي حوّل لبنان من نموذجٍ حضاريّ إلى دولة فاشِلة، تعرَّضّ فيها الشعب اللّبناني لجريمة منظّمة قتلت كلّ القطاعات واغتالت العدالة الاجتماعيّة والازدهار الاقتصادي، وكان أبشع تعبير عن هذه الجريمة المنظّمة تفجير بيروت في 4 آب “2020”. وختم الخليل: “نحنُ وإيّاكُم معنيُّون بمُقاربة هذه المُسبّبات لِنَبْحَث سويًّا كُلٌّ من موقِعه في كيف نُنقِذ لبنان من هذا المستنقع الجهنّمي، ونحمي هويّته الحضاريّة، وهذا يتطلّب تصويب المفاهيم، لبناء سياساتٍ عامّة تطبقّها الحوكمة الرَّشيدة، وهذا يقع في صُلْبِ هدف ورسالة ملتقى التأثير المدني. إنّه زمن إعادة تكوين السُّلطة واسترداد الدّولة. فمسار “الحوارات الصّباحيّة” نُريدُه انطِلاق فِكرٍ تغييريّ إصلاحيّ لِفعْل تغييريّ إصلاحيّ،  المُهمّة شاقّة لكنّها لَيسَت مستحيلة.”

كلمة قانصوه

أمّا “ميسِّر الحوار” الأستاذ الجامعي والباحث الدكتور وجيه قانصوه فأشار في تقديمه لإشكاليّة إلغاء الطائفيّة كما ورد في اتّفاق الطائف إلى موجب “العبور من مستنقع الاصطفافات والتوترات التي لا تتوقف، إلى فضاء الاستقرار والحياة السعيدة والمنتجة.وكلما جاء استحقاق هذه المهمة، نتهيب منها ونرتعب ونخاف، وتتذرع بحجج كثيرة، فلا نجد سبيلا سوى إرجائه، لنرجىء معه الوطن المعاف والدولة القادرة، حيث تبين أن هذا التأجيل لإلغاء الطائفية هو تأجيل للدولة، وإرجاء للديمقراطية، وتعطيل للحياة”. واعتبر قانصوه أنّه “لإلغاء الطائفية أكثر من بعد أوّلهما: تدبيري وتنظيمي، وهو ما يتصل بـ “النص الدستوري حوله، وحول الآليات التشريعية والقانونية والتنظيمية داخل مؤسسات الدولة، لترسيخ إلغاء الطائفية شكلاً نهائياً وجذرياً ناظماً للحياة العامة. وهو ما يفرض مجموعة من الأسئلة عن دور المجتمع، في قواه المدنية والثقافية في عملية إلغاء الطائفية، فلا يقتصر دور الهيئة التي ستشكل لهذه الغاية على تحويل إدراج إلغاء الطائفية إلى نص مباشر وصريح، وإنما يستتبع ذلك جملة آليات ومواد ضرورية، والتي منها القانون الانتخابي، قانون الأحزاب السياسية، لاطائفية الرئاسات الثلاث، مناصب الدولة، كما يطال قانون الأحوال الشخصية، علاقة الدولة بالمؤسسات الدينية.” وأضاف قانصو “هذا يعني أن إلغاء الطائفية تتطلب عملية دقيقة وحساسة، وتتطلب رؤية كاملة واستراتيجية فعالة لإحداث هذا الانتقال بطريقة تحول دون تحول إلغاء الطائفية إلى وسيلة غلبة طائفية على طائفة، أو أتباع دين على أتباع دين آخر. بحكم الخلل في الديمغرافيا اللبنانية من جهة، وبحكم المؤثرات الخارجية التي توفر لجهة أو مذهب إمكانات غلبة وهيمنة لا تتوفر في المذاهب الأخرى”. أما

البعد الثاني، فهو ثقافي اجتماعي، ما يعني أن إلغاء الطائفية هو تحول في المزاج والسلوك والذهنية وأطر العلاقات ونمط التوزع السكاني. وإعادة هيكلة عمل الدولة والعمل السياسي على مرتكزات غير طائفية”. وختم قانصوه “أنّ إلغاء الطائفية خطوة جرئية وخطرة، لكنها باتت ضرورة لإنقاذ الوطن والمواطن، فهي عمليّة تحول لا تحصل دفعة واحدة، ولا تحصل بقرار سياسي ونصّ تشريعيّ، بل هي تحوّل مجتمعي يتحقق على يد المجتمع نفسه. فكما أنه لا ديمقراطية من دون ديمقراطيين، كذلك لا معنى للاطائفية من دون لاطائفيين”.

كلمة يونس

ثمّ قدم الدّكتور نزار يونس ورقة العمل الخاصة باللقاء تحت عنوان “جوهر وثيقة الوفاق الوطني المادّة 95 من الدّستور”: واستفاض فيها بالإشارة إلى “وقوف لبنان عند مفترق مفصلي تتطاحن وتتصارع فيه المجموعات العصبية من دون جدوى”. وقال يونس: “علينا في البداية أن نعترف بأن الأزمات التي نعاني وطأتها، ليست قدَراً لا نفاذ منه، فهي النتيجة الحتميّة لنظام سياسيّ يؤدّي بحكم تكوينه وديناميّة عمله إلى كلّ ما نعاني من فساد وترهّل في بنية الدولة. لكن وعلى الرغم من إجماعنا في مؤتمر الوفاق الوطني في الطائف على أن التخلي عن هذا النظام هو السبيل الوحيد لقيام الدولة الزمنية الديمقراطية، عدنا الى كنفه مهرولين كما لو أن الميثاق لم يعد مرجعيتنا، وكما لو أن المادة 95 من الدستور وضِعت لتبقى حبراً على ورق.”

وبعدما لفت يونس الى “أن الإكتفاء بالشجار حول إلغاء الطائفية السياسية يثير حساسيات وهواجس”، إعتبر أنّ “تجاهل النص الدستوري الذي قضى بأن يُعهد إلى الهيئة الوطنية للحوار مهمة إقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية يطرح تساؤلات حول نزاهة أدعياء الدفاع عن الإتفاق”. وتساءل يونس عن “البديل عن تطبيق المادة 95 من الدستور؟ بعد ما أكّدت المؤسسة السياسية الطائفية عجزها عن المضي في المماطلة والتسويف للالتفاف حول الميثاق وتعطيل الدستور” متخوّفاً من “فتنة جديدة تقود الى مؤتمر وفاق جديد أو الى كارثة أكثر تدميراً”.

وحدّد يونس بعض المبادئ الأساسية، متحدثا عن “مشروعية الوطن اللبناني وعلّة وجوده” واستطرادًا، قال: ” لبنان لم يكن يومًا ساحة صراع قبائل أو طوائف لكل منها عنصرية أو دينٌ قوميٌ، بل كان أرض تلاقٍ، ومستقراً للعائلات الروحية والإتنية التي نزحت إليه، واعتبرته من دون سواه في هذا الشرق، ملاذًا وواحة أمان وأرض كرامات. ففي أصعب الظروف عاش اللبنانيون معًا. ولم تثنِهم المؤامرات والفتن والنزاعات التي تعرّضوا فتصدّوا بشجاعة لمحاولة السلطنة تتريك العالم العربي وطمس ذاكرته”. وقال يونس”إنّ ديار الإسلام مترامية الأطراف، ولن يزيدها هذا الوطن الصغير اتّساعًا. كذلك فإن أرض المسيحية شاسعة، ولن يزيدها لبنان رحابة، وهو وطنهما معًا وليس وطنًا لدين دون الآخر. هذا ما أكدّه الإرشاد الرسولي في رجاء جديد للبنان، الذي جاء فيه إِنَّ للبنان دورًا أكبر من مساحته وعدد سكانه”. واعتبر يونس ” أنّ لبنان أكثر من

وطن، إنه رسالة. ورسالته، النابعة من تعددية الإيمان، تكمن في تعارف الإسلام والمسيحية، وفي محبة الآخر وقبوله مختلفًا”. وبعدما تحدث يونس عن توصيف الدولة في علم السياسة، وهي تعني “المؤسسة القانونية والسياسية والتنظيمية المولَجة إدارة كيان وطني في شتّى جوانب حياة مواطنيه”،  إعتبر “انه من غير الجائز، الخلط بين الوطن والدولة كمفهوم سياسي واحد. ومن المعيب الاستمرار بالخلط بين الوطن والمؤسسة السياسية التي اغتصبت مقدرات الوطن وشعبه وتاريخه. لأنّ ذلك يقود حتمًا، الى التنكّر لحق أي فئة من الاجتماع اللبناني التعددي في الشراكة في الوطن على قدم المساواة مع أي جماعة أخرى مهما كبُر عددها أو اشتدّ ساعدها لفرض إرادتها على الآخرين. ولقد تنبّه الى ذلك سماحة الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، فقد أوصى مريديه من الطائفة الشيعية ومن اللبنانيين عمومًا بـأنّ التنوّع اللبناني هو قدوة وطنية كبرى ونوافذ حضارية على العالم ورسالة حوار دائم في ذاته ومحيطه. إن المجتمع الأهلي في لبنان متنوّع. ويجب أن يظل متنوعًا في ما ينبغي أن يكون المجتمع السياسي موحّدًا”.

واعتبر يونس أنّ “الدستور كتاب أداء السلطة الناظمة للعيش معًا في الدولة، وهو معني بهندسة النظام السياسي، وتأمين ضبط إيقاعه.. وان “إرادة العيش معًا، جوهر استقرار الأوطان”. ثم عدّد بعض المحطات التي عاشها لبنان “في ظل نظام سياسي طائفي عُرِّف بالصيغة اللبنانية في الحقبة التي تلت تفكك السلطنة العثمانية وإعادة تشكيل الكيانات السياسية في ظل الانتداب الفرنسي والنفوذ البريطاني، على قاعدة الصراع على تقاسم السلطات في الدولة الناشئة بين إقطاعيات طائفية وأسرية. إلى أن جاءت الحرب التي أذِنت توازنات القوى الإقليمية والدولية بإنهائها في العام 1989، وأتاحت انعقاد مؤتمر للوفاق الوطني في الطائف.  ورحَّب اللبنانيون، بوثيقة الوفاق الوطني بين جناحي الوطن لإنهاء الحرب وقيام الدولة التي تمّ إدراج مبادئها في مقدّمة الدستور، كحلّ نهائي تعاقدي للقضايا التي أدّى التشابك أو التنازع حولها في الماضي بين المواقع الطائفية إلى الحؤول دون قيام الدولة”. وتايع يونس: “لم يكن بالإمكان في تلك المرحلة الحرجة، التوسّع في تنفيذ كافة الإجراءات الدستورية والقانونية الضرورية  للتخلّي عن النظام السياسي، فتقرّر إرجاء تنفيذ الإجراءات المواكبة لإلغاء الطائفية لإتاحة فرصة للحوار والتفاهم بين اللبنانيين أنفسهم، خلال المرحلة الانتقالية التي لحظها الميثاق. واعتبر ان بداية الطريق  “مباشرة الحوار الوطني، بموجب المادة /95/ من الدستور تجسيدًا لمقتضيات الميثاق، بتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية و مَهَمَّتها دراسة الطرق الكفيلة لإلغاء الطائفيّة واقتراحها وتقديمها لمجلسي النواب والوزراء، ومتابعة تنفيذ الخطّة المرحليّة. ورجّح يونس بـ “أنّ هذه الفقرة من الميثاق كانت الدافع الحاسم للانقلاب عليه وتشويه أهدافه وتعطيل تنفيذه، خوفًا من المضي في تحقيق الوفاق المرتكز على تلازم التخلّي عن التمثيل السياسي الطائفي في الدولة وعن الآفة الطائفية في الوطن”.

واعتبر يونس أنّ رئيس الجمهورية مسؤول عن “تنفيذ أحكام الدستور ومقتضيات المادة /95/ منه”. فهو رئيس هيئة الحوار الوطني المكلفة باقتراح الإجراءات والأنظمة الملازمة لقيام دولة مواطنة ديمقراطية لاطائفية. وقد  ميَّز المؤتمرون في الطائف رئيس الجمهورية بـ مَهمة تاريخية جعلت منه المؤتمن على تحقيق الموجب الميثاقي الذي ينصّ على أنّ إلغاء الطائفية السياسية هدف وطنيّ يقتضي تحقيقه، على اعتباره الشأن الأهمّ لحاضر ولمستقبل اللبنانيين المسيحيين والمسلمين، على حد سواء.” وبعدما رفض يونس الرأي الشائع الذي يعتبر الدستور المعمول به حاليًا بكلّ مندرجاته “ميثاقًا لا يمكن تعديل أي من نصوصه يجانب الحقيقة”. معتبراً بـ “أن الهاجس الأكبر وهو وعي رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور، لدوره المستحدث، بعد اتفاق الطائف الذي يستدعي الكثير من الشجاعة وحذاقة الرأي والبصيرة والمسؤولية، لا كممثل لطائفة بل كحارس للميثاق ومسؤول عن احترام الدستور و تطويره وتعديله، عندما يقتضي الأمر، لا كمحاسب للحصص الطائفية”.

وحدّد يونس جملة العناوين الأساسية للحوار وهي من “القضايا التي شكّلت في الماضي أرضية الخلاف والتناقض بين الفئات اللبنانية على خلفية طائفية، والتي ما زالت تستدعي حوارًا وطنيًا نزيهًا وشجاعًا، وهي تقع من ضمن اربعة محاور أولها القيم الذاتية التأسيسية للجمهورية التي تتحدث عن أي وطن نريد، وثانيها ما يتعلق بـ الكيان والهوية الوطنية والهوية القومية، وثالثها فصل الدين عن الدولة. ورابعها كيفية تكوين السلطة”.

وعليه تحدث يونس عن دور “الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفيّة” وقال إنها “المعوّل عليها للحفاظ على خصوصية هذا الوطن ومستقبل أجياله، في حال تخلّينا عن الطائفية السياسية وتوزيع السلطة حصصًا بين الطوائف، وعلى قدم المساواة من دون هيمنة فريق على آخر؟ ورسم الآلية التي توفّر الديمومة لهذه الصيغة، وتحافظ على التوازن والسلم الأهلي وتكون صمّام الأمان في الأزمات الوطنية؟”

وختم يونس بالقول: “إذا قدّر للدولة أن تقوم، لنتحرر أولاً تجاه العالم الخارجي من وصمة التخلّف، حيث ستكون لنا دولة عصرية مثل سوانا من شعوب العالم، كبديل عن تجمع طوائف متناحرة، لا تليق بما ندّعيه من تقدم حضاري. وسيتحول الأفراد “من رعايا طوائف إلى مواطنين في دولة، لا حاجة لهم لوسيط أو شفيع معها. وسيعاد للموظف المحرر من الارتهان دوره في رعاية المواطنين وخدمة الشأن العام”.

ملتقى التأثير المدني

المكتب الإعلامي

كلمة رئيس ملتقى التأثير المدني فيصل الخليل

السيّدات والسّادة،
كم يطيبُ لنا أن نلتقي بعد غيابٍ فرَضَتْه أزماتٌ مع جائِحة كورونا. نعُودُ وإيّاكُم في "ملتقى التأثير المدني" نُطْلِقُ مسار "الحوارات الصّباحيّة" وكُنّا قد بدأنا بها منذ سنوات في مساراتٍ متعدّدة مع كُلّ القِوى المجتمعيّة الحيّة، نستكمل خيارنا في العَوْدة إلى الدُّستور نصًّا وروحًا كي نبني سويًّا دولة المواطنة الحُرّة السيّدة العادلة المستقلّة، دولة العيش معًا.
نَعْلَم بالعُمْقِ أنّ أوجاعنا تتعاظم على كُلّ المستويات الماليّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والاستشفائيّة، والتربويّة، وحتّى الأخلاقيّة، لكنّنا معنيّون أيضًا بمُقاربة مسبِّبات هذه الأوجاع حيثُ يستمرّ الانقِلاب على الدُّستور، واستِباحة السّيادة، وتعميم الفساد، والانقِضاض على العدالة. لم نَزَل نُعاني المحاصصة والزبائنيّة، وتحالُف المافيا والميليشيا الذي حوّل لبنان من نموذجٍ حضاريّ إلى دولة فاشِلة، تعرَّضّ فيها الشعب اللّبناني لجريمة منظّمة قتلت كلّ القطاعات واغتالت العدالة الاجتماعيّة والازدهار الاقتصادي، وكان أبشع تعبير عن هذه الجريمة المنظّمة تفجير بيروت في 4 آب 2020. نحنُ وإيّاكُم معنيُّون بمُقاربة هذه المُسبّبات لِنَبْحَث سويًّا كُلٌّ من موقِعه في كيف نُنقِذ لبنان من هذا المستنقع الجهنّمي، ونحمي هويّته الحضاريّة، وهذا يتطلّب تصويب المفاهيم، وتصويب المسارات، لبناء سياساتٍ عامّة تطبقّها الحوكمة الرَّشيدة، وهذا يقع في صُلْبِ هدف ورسالة "ملتقى التأثير المدني" إنّه زمن إعادة تكوين السُّلطة واسترداد الدّولة.
السيّدات والسّادة،
مسار "الحوارات الصّباحيّة" نُريدُه انطِلاق فِكرٍ تغييريّ إصلاحيّ لِفعْل تغييريّ إصلاحيّ. المُهمّة شاقّة لكنّها لَيسَت مستحيلة. ولُبنان يستأهِلُ منّا مُقيمين ومغتربين إستِمرار النّضال.
إنّنا إذ نتطلّع إلى استدامة تعاوننا في خدمة القضيّة اللّبنانيّة والإنسان، نأملُ أن نُنَجِّح معًا هذا المسار، فتعود العقلانيّة والحكمة والصّلابة والنّزاهة رأس حربة لِقِيام دولة المواطنة، دولة الحقّ والعدل. هذا عهدٌ علينا ووعد.
عُشتم وعاش لبنان

كلمة الدكتور وجيه قانصوه / ميّسر الحوار

إلغاء الطائفية السياسية، مطلب بديهي، نقر جميعا بضرورته للعبور من مستنقع الاصطفافات والتوترات التي لا تتوقف، إلى فضاء الاستقرار والحياة السعيدة والمنتجة. رغم ذلك، وكلما جاء استحقاق هذه المهمة، نتهيب منها ونرتعب ونخاف، نشعر بثقلها وعبئها ومخاطرها. نتفحص حولنا بنظرة سريعة لنجد أننا غير جاهزين، أو أن الظروف غير مؤاتية، ونتذرع بحجج كثيرة، لغرض رفع هذا العبء عن الأكتاف، ولنتنصل من خطورة وجسارة حمله، فلا نجد سبيلا سوى تأجيله، دفعه إلى الأمام، إرجاءه ، لنرجيء معه الوطن المعافي والدولة القادرة، حيث تبين بعد كل هذه السنين، أن تأجيل إلغاء الطائفية هو تأجيل للدولة، إرجاء للديمقراطية، تعطيل للحياة، ترك الوطن أسير شبكة المصالح والقوى الطائفية التي باتت في تشعباتها وامتداداتها كالاخطبوط، الذي يوزع سلطته وينشر نفوذه وتأثيره وتحكمه في كافة أرجاء الحياة العامة والخاصة.
تعود مسألة إلغاء الطائفية إلى الواجهة، بعد الحراك المجتمعي الكثيف الرافض لها، المتطلع إلى غد أفضل، ووطن رحب يتسع للجميع. لكن دون ذلك عوائق وعقبات. فإلغاء الطائفية ليس قفزة في الهواء، وليس قانونا تشريعياً فحسب، بل هو عملية تحول بطيء ومعقد وشامل، لا تطال الحياة السياسية وصناعة القرار السياسي فحسب، بل تطال المسلكيات والعلاقات والذهنيات ونمط الحياة. ما يعني أن إلغاء الطائفية السياسية هو تحول للذات اللبنانية نفسها، في نظرتها إلى نفسها وغيرها والعالم.
لإلغاء الطائفية السياسية بعدان:
البعد الأول تدبيري وتنظيمي، وهذا يتصل بالنص الدستوري حوله، وحول الآليات التشريعية والقانونية والتنظيمية داخل مؤسسات الدولة، لترسيخ إلغاء الطائفية شكلاً نهائياً وجذرياً ناظماً للحياة العامة.
وإزاء هذه البعد تتولد عدة أسئلة لا بد من التباحث حولها:
أ‌. حول الجهة الذي تقوم بابتكار الآليات والميكانزمات لتحقيق الإنتقال من الحال الطائفي إلى الحال اللاطائفي. فالمحذور هنا هو الوقوع في الحلقة المفرغة. إذ إن الهيئة الوطنية المقترحة لإلغاء الطائفية السياسية ستكون مؤلفة من الجسم السياسي والهيئات التثميلية ذات الطبيعة الطائفية. مما يعني إيكال المهمة إلى غير أهلها من جهة، وإلى مسعى هذه القوى إلى إماتة الفكرة وإفراغها من حقيقتها ومضمونها الفعلي، مثلما حدث في قانون النسبية الانتخابي الأخير.
ب‌. ما هو دور المجتمع، في قواه المدنية والثقافية في عملية إلغاء الطائفية، ومن يختار الشخصيات الثقافية والوجوه الاجتماعية داخل الهيئة الوطنية.
ت‌. لا يقتصر دور الهيئة على تحويل إدراج إلغاء الطائفية إلى نص مباشر وصريح، وإنما يستتبع ذلك جملة آليات ومواد ضرورية، والتي منها القانون الانتخابي، قانون الأحزاب السياسية، لاطائفية الرئاسات الثلاث، مناصب الدولة، قانون الأحوال الشخصية، علاقة الدولة بالمؤسسات الدينية.. ما يعني أن إلغاء الطائفية تتطلب عملية دقيقة وحساسة وتتطلب رؤية كاملة واستراتيجية فعالة لإحداث هذا الانتقال.
ث‌. ما هي الضمانات التي تحول دون تجول إلغاء الطائفية إلى وسيلة غلبة طائفية على طائفة، أو أتباع دين على أتباع دين آخر. بحكم الخلل في الديمغرافيا اللبنانية من جهة، وبحكم المؤثرات الخارجية التي توفر لجهة أو مذهب إمكانات غلبة وهيمنة لا تتوفر في المذاهب الأخرى. بالتالي كيف يتم التوفيق بين عمومية العمل السياسي الخالي من اللون الطائفي وتفريغ المناصب والمراكز من لونها الطائفي من جهة، وحفظ التوازن والخصوصيات والتعددية التي هي سمة المجتمع اللبناني وحقيقته الحضارية.

أما البعد الثاني، فهو ثقافي اجتماعي، ما يعني أن إلغاء الطائفية هو تحول في المزاج والسلوك والذهنية وأطر العلاقات ونمط التوزع السكاني. إذ إضافة إلى إعادة هيكلة عمل الدولة والعمل السياسي على مرتكزات غير طائفية، لا بد من إزالة كل مظاهر السلوك والتفكير ولغة الطائفية والولاءات الاجتماعية.
هذا يستدعي جملة نقاط:
أ‌. تأسيس نظام تربوي ينسجم مع مبدأ اللاطائفية، وينشيء الأجيال على وعي لاطائفي. بالتالي ما هي الاستراتيجية التربوية التي ترسخ مبدأ اللاطائفية في الوعي والسلوك المجتمعي؟
ب‌. ما علاقة إلغاء الطائفية بمبدأ العلمانية؟ هل يتقاطعان أم يتطابقان؟
ت‌. كيف تتم إعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية، لإزالة كل أوجه الخطاب الطائفي المتغلغل بشدة في المؤسسات الاعلامية. أي إعادة إنتاج الخطاب الإعلامي على أسس غير طائفية؟
ث‌. مساحة وحدود نشاط المؤسسات الدينية، بخاصة في المجال التربوي والوعظي؟
ج‌. ضرورة إعادة النظر بالفرز السكاني على قاعدة طائفية، والسبيل إلى توسيع دائرة الهوية والشخصية اللبنانييتين، على جساب الهوية والشخصية الطائفية.
ح‌. كيف نفعل قوى المجتمع، من منابر ثقافية وقوى مدنية وبيئية وعلمية، للإسهام في عملية التحول المجتمعي نحو اللاطائفية.
بالمحصلة، الطائفية خطوة جرئية وخطرة، لكنها باتت ضرورة لإنقاذ الوطن والمواطن، هي عملية تحول لا تحصل دفعة واحدة، بل عملية عابرة للأجيال، بحكم أنها تحول في نمط الحياة وتغير في معنى الحياة وقيمتها. هي عملية لا تحصل بقرار سياسي ونص تشريعي، بل هي تحول مجتمعي تتحقق على يد المجتمع نفسه. فكما أنه لا ديمقراطية من دون ديمقراطيين، كذلك لا معنى للاطائفية من دون لاطائفيين.

ورقة عمل الدّكتور نزار يونس

مقدمة
يقف لبنان اليوم عند مفترق مفصلي تتطاحن وتتصارع فيه المجموعات العصبية من دون جدوى. كل يبحث عما يعتبره حقاً مرصوداً له، على أن أي حق يخرج عن إطار الدولة الجامعة والضامنة والمتحررة من قيود الطائفية والتحاصص، لن يستقيم ولن يسهم إلا في تهديم الأمل بوطن سوي وبمواطن سعيد وعزيز في هذا الوطن.
لا يكفي أن نلعن القدَر ونقف عاجزين عن مواجهة أقدارنا المأساوية، لنصطفّ مذاهب وقبائل وأتباعاً، نتبادل الاتهامات ونندب حظنا التعيس، فنكيل الشتائم للسياسيين ولبعضنا البعض وفي النهاية نراوح مكاننا.
علينا في البداية أن نعترف بأن الأزمات التي نعاني وطأتها، ليست قدَراً لا نفاذ منه، فهي النتيجة الحتميّة لنظام سياسيّ يؤدّي بحكم تكوينه وديناميّة عمله إلى كلّ ما نعاني من فساد وترهّل في بنية الدولة. لكن وعلى الرغم من إجماعنا في مؤتمر الوفاق الوطني في الطائف على أن التخلي عن هذا النظام هو السبيل الوحيد لقيام الدولة الزمنية الديمقراطية، عدنا الى كنفه مهرولين كما لو أن الميثاق لم يعد مرجعيتنا، وكما لو أن المادة 95 من الدستور وضِعت لتبقى حبراً على ورق.
في الأوضاع الحرجة التي تمر بها بلادنا اليوم، لم يعد من الجائز قبول هذا الانفصام الملفت بين الخطاب السياسي والمآذارة، وبين القول والفعل. فكيف ندّعي التزاماً بإتفاق الطائف في الوقت الذي نرفض تطبيق البند الأهم فيه، والذي هو جوهر الإتفاق ذاته، أعني بذلك التخلي عن نظام المحاصصة الطائفي.
من الواضح أن الإكتفاء بالشجار حول إلغاء الطائفية السياسية يثير حساسيات وهواجس. لكن تجاهل النص الدستوري الذي قضى بأن يُعهد الى الهيئة الوطنية للحوار مهمة إقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية يطرح تساؤلات حول نزاهة أدعياء الدفاع عن الإتفاق. فما هو البديل عن تطبيق المادة 95 من الدستور؟ بعد ما أكّدت المؤسسة السياسية الطائفية عجزها عن المضي في المماطلة والتسويف للإلتفاف حول الميثاق ولتعطيل الدستور، بإنتظار ظروف قد تتيح لها التنكّر لموجباته، وانتظار فتنة جديدة على أمل أن تقودها الى مؤتمر وفاق جديد أو الى كارثة أكثر تدميراً؟

في مشروعية الوطن اللبناني وعلّة وجوده
إن اسم لبنان مرتبط بمعطيات جغرافية طبيعية ثابتة، وهو لم يشمل الجزء، وإنما الكلّ، فهو وحدة جغرافية، بقيت خلال العصور متماهية إلى حد كبير مع جغرافية لبنان المعاصر الذي أعطى اسمه للشعب الذي سكنه وليس العكس. واستطرادًا، يمكن القول أنّ معطيات البيئة اللبنانية طبعت الشعب اللبناني بطابعها الخاص وساهمت في تحديد هويته الحضارية ضمن حدود جغرافية طبيعية ثابتة توحدت منذ نيّف وخمسة قرون في كيان سياسي في حقبة الأمير فخر الدين الكبير. وقد شكل هذا الكيان العزيز والمقاوم المحاولة الأولى لتحرر شعوب هذا المشرق من ظلامية وجور السلطنة العثمانية.
ومنعًا للتمادي في ترويج الأضاليل من قبل من لا يضمر الخير لوطننا، لا بد من التأكيد ان لا علاقة إطلاقًا لحدود الدولة اللبنانية الحالية باتفاقية "سايكس بيكو"، خلافًا لحدود الكثير من الدول التي استحدثتها تلك الاتفاقية والتي رُسِمت خطوطًا مستقيمة في البوادي والأدغال. فمن غير الجائز أو اللائق مقارنة مشروعية الوطن اللبناني التاريخي بسواه من الأوطان الناشئة في جوارنا وفي العالم.
لبنان لم يكن يومًا ساحة صراع قبائل أو طوائف لكل منها عنصرية أو دينٌ قوميٌ، بل كان أرض تلاقٍ، ومستقــَـراً للعائلات الروحية والإتنية التي نزحت إليه، واعتبرته، من دون سواه في هذا الشرق، ملاذًا وواحة أمان وأرض كرامات. فقد كان هذا النزوح فعل ارادة واعية من الوافدين المسلمين والمسيحيين الذين تخلّوا عن السهول والواحات والأنهر، وارتضوا شظف العيش والكفاف ثمنًا للحرية في هذه الجبال الوعرة والعصيّة على الإذلال التي صنعت الشخصية اللبنانية، الغنية بخصائص مشتركة بين المسلمين والمسيحيين تتجاوز انتماءاتهم الدينية أو العرقية.
في خصوصية الوطن وفرادة شعبه ورسالته
في أصعب الظروف عاش اللبنانيون معًا، واجهوا ظروف الظلمة والقهر، وتقاسموا لقمة العيش في الأفراح والأتراح، عانوا من الشح والعوز لكنهم لم يتخلّوا أبدًا عن الولاء للأرض التي حضنتهم ولم يُفرّطوا بها، ولم يتنكّروا في أي ظرف للعرى الحياتية التي حبكها صمودهم ونضالهم الأسطوريان من أجل البقاء.
لم يواجه سكان الجبل، كلّ سكانه، عُقَدَ الأقليات، ولم يتعرّضوا أبدًا لغربة العيش في "الغيتوات" المنغلقة. فالشعب اللبناني، على رغم التنوّع الروحي والثقافي للجماعات التي تعيش على أرضه، وربما، بفضل هذا التنوّع بالذات، تمكّن من تظهير شخصية نمطية مميزة خاصة به. ففي العالم اليوم، كما في الأمس، عدد ضئيل من الشعوب التي يُعرّف عنها بهوّية خاصة ومميزة، كما يُعرّف عن الرواد اللبنانيين في المهاجر وفي دنيا العرب. لم تثنِهم المؤامرات والفتن والنزاعات التي تعرّضوا لها في القرن التاسع عشر، عمّا اختطّوه لأنفسهم من دور، يتجاوز جغرافيا بلادهم الضيّقة ووجودهم المادي. تصدّوا بشجاعة لمحاولة السلطنة تتريك العالم العربي وطمس ذاكرته ومحو حضارته ولغته. وعملوا على قيادة نهضة عظيمة لإعادة الروح إلى الحضارة العربية، واستعادة هويتهم القومية ودورهم التاريخي في تألق هذه الحضارة واستدامة روافدها.
لبنان لم يكن يومًا أكبر وأنبل من يوم قُيّض له أن يكون وطن الثقافة وموطن الأحرار، يوم كانت بيروت حاضرة العالم المشرقي، وجامعته ودار نشره، ومركز انبعاث نهضته في الفكر والفن والشعر والغناء، ومنبر حرّية فيه لكل ملاحق من بلده بسبب أفكاره، وعندما كانت تخاطب العرب بلسان عربي فصيح وتحاور الغرب بلغاته وفكره. يومها أطلق السيد "رينيه ماهو" Maheu René رئيس منظّمة الأونيسكو صرخته المدوّية في جريدة "لو موند" الفرنسية في بداية الحرب الأهلية "بأن سِمات لبنان وشعب لبنان حاجة للعالم، وهي تُجسّد جوهر الحضارة نفسها، وهي غير شائعة لنقبل نضوب منابعها في المكان الأضمن لتوافرها بغزارة".
لم يأتِ كلام رئيس منظمة الأونيسكو من فراغ، فللوطن الصغير في الوجدان العالمي مكانة خاصة. وما زال الرهان قائمًا على دوره في ترويج ثقافة الحياة والتلاقي بين الحضارات وبين المسيحية والإسلام. وما زالت النُخب الثقافية المعنية بالحضارة والسلام ضنينة بشعب لبنان وحريصة على بقائه. ولا بدّ للعالم أن يهبّ لنجدته، وإلى إعادة الروح إلى الوطن، إذا قرر اللبنانيون الباقون فيه ألاّ يموت.
إن ديار الإسلام مترامية الأطراف، ولن يزيدها هذا الوطن الصغير اتّساعًا. كذلك فإن أرض المسيحية شاسعة، ولن يزيدها لبنان رحابة، وهو وطنهما معًا وليس وطنًا لدين دون الآخر. هذا ما أكدّه الإرشاد الرسولي في رجاء جديد للبنان، الذي جاء فيه" إِنَّ للبنان دورًا أكبر من مساحته وعدد سكانه". واعتبر " أن لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة. ورسالته، النابعة من تعددية الإيمان، تكمن في تعارف الإسلام والمسيحية، وفي محبة الآخر وقبوله مختلفًا".
الدولة في علم السياسة

الدولة، في علم السياسة، تعني المؤسسة القانونية والسياسية والتنظيمية المولَجة إدارة كيان وطني في شتّى جوانب حياة مواطنيه من اجل رغدهم وتحقيق تطلعاتهم. وعلى الدولة المنجزة أن تكون دولة حق وعدالة في مآذارتها للسلطة، ودولة عقلانية في تكوينها وبنيتها، وأن تؤدّي مهماتها كسلطة أحادية النصاب، تراتبية الهيكلية، وحيادية في إدارة المصالح الفردية والفئوية والقطاعية المتضاربة، حيث تؤدي دور الحَكَم النزيه والحكيم في النزاعات حول تناقض المصالح أو الرغبات لحلـِّها، وفقًا لدستورها، وقوانينها، وأنظمتها. فمن غير الجائز، الخلط بين الوطن والدولة كمفهوم سياسي واحد. إذ إنَّ الدولة هي الأداة الإجرائية لحماية الوطن والذراع التي ترعى حياة المواطنين وتصون أمنهم ورغدهم وحرياتهم. ومن المعيب الاستمرار بالخلط بين الوطن والمؤسسة السياسية التي اغتصبت مقدرات الوطن وشعبه وتاريخه، لأن ذلك يقود حتمًا، الى التنكّر لحق أي فئة من الاجتماع اللبناني التعددي في الشراكة في الوطن على قدم المساواة مع أي جماعة أخرى مهما كبُر عددها أو اشتدّ ساعدها لفرض إرادتها على الآخرين. كما يقود الى التشبّث بالشراكة المستحيلة في الدولة بين الطوائف المتصارعة تحت لواء بدعة "الديمقراطية التوافقية" المناقضة كليًّا للوفاق وللميثاق وللحس السليم. لقد تنبّه الى ذلك سماحة الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، فقد أوصى مريديه من الطائفة الشيعية ومن اللبنانيين عمومًا ب " أن التنوّع اللبناني هو قدوة وطنية كبرى ونوافذ حضارية على العالم ورسالة حوار دائم في ذاته ومحيطه. إن المجتمع الأهلي في لبنان متنوّع. ويجب أن يظل متنوعًا في ما ينبغي أن يكون المجتمع السياسي موحّدًا"، هذا الكلام المضيء الذي يميّز ما بين الوطن التعددي والدولة الأحادية ما زال مفتاح الولوج إلى عمق تفكير هذه الشخصية الوطنية الاستثنائية.
الدستور "كتاب" أداء السلطة الناظمة للعيش معًا في الدولة
والدستور، كما وصفه الحقوقي الفرنسي Robert Badinter، هو أداة سياسية وهندسة قانونية ولحظة تاريخية وصياغة أدبية، يندرج في حقبة تاريخية من حياة الدول، وتستند شرعيته إلى مراعاته أحكام ميثاق العيش معًا والنظام العام، أي العقد الاجتماعي بين المواطنين، وبينهم وبين الدولة. فلا يمكن، تاليًا، استعارة الدستور من المخيـّــلة ولا عزله عن الواقع، حيث يرتبط نجاح السلطة بكفاءة الدستور الناظم بأن يكون مرجعًا يُحتكَـم إليه للفصل في تناقض المصالح والرغبات الخاصة، وفي مراعاة المبادئ الديمقراطية التأسيسية لضمان وحدة المجتمع الأهلي وتماسكه وانفتاحه على التطوّر والتقدّم. فالدستور معني بهندسة النظام السياسي، وتأمين ضبط إيقاعه، يُمارَس وفق ديناميات تحدِّد كفاءة أدائه وتفاعله مع سواه. فباستثناء بنود الميثاق، المكوِّن الأول لنشوء الأوطان Existant Premier الذي يرفد الدستور بثوابته، فإن سائر النصوص الدستورية تأتي نتاج تطور مفاهيم الحكم وتجربته التاريخية، فمن الراهن أن الخلط بين الدستور والميثاق يؤدي الى تعطيلهما معًا.
إرادة العيش معًا، جوهر استقرار الأوطان
الأوطان ليست حقيقة أولية، قائمة بذاتها. فهي تصوّر ذهني مجرّد يجسـِّـد إرادة جماعات في العيش معًا، يؤكّده الشعور بالانتماء إلى ذاكرة مشتركة والرغبة في الانضواء في صيرورة جامعة في كيان سياسي مؤهل لإدارة النهوض الاقتصادي والاجتماعي لهذه الجماعات. ومن المسلّم به، أن إرادة العيش معًا، هي اللَّبنة الأساس في قيام الأوطان واستقرارها، حيث إنها تكرّس أو تظهّر إرادة جماعات، ارتضت العيش معًا، في كيان جغرافي وسياسي محدّد، وجدت فيه المقوّمات الضرورية لتحقيق ذاتها وتطلّعاتها. إذا كانت إرادة العيش معًا هي الأساس في نشوء الأوطان وبقائها، فلا يكفي تأكيدها كشعار، حتى تقوم الدولة العصرية المستقرة والقادرة على التطور ومواجهة الأزمات الوطنية الكبرى، الناجمة عن شعور فئة بالغبن في مرحلة معينة، أو بالحرمان أو الإحباط في مرحلة أخرى. فكلّ جماعة ترى، ومن حقها ذلك، أن لها حقوقًا مكرّسة في الوطن، وأن شراكتها فيه مشروطة بصون حقوقها دون انتقاص أو تجزئة، وأهمها الحق في الحرية والمساواة السياسية الحقيقية وفي الوجود الآمن وتحقيق الذات. فإن كانت إرادة العيش المشترك، مسلّمة طبيعية في الكيانات الموحّدة، والمنصهرة اجتماعيًا وحضاريًا، فهي ليست كذلك في الأوطان ذات التعدّدية الدينية أو العرقية أو الثقافية، حيث تحتاج ديمومتها إلى التوافق بين أطرافها على الشروط والالتزامات المتبادلة للعيش معًا، التي من شأنها تنظيم إطار الضوابط والقواعد الضرورية لإدارة إشكاليات التباين في المصالح أو الرغبات، إذ لا يحق لأحد أن يحدّد حقوق الآخر على قاعدة الأكثرية والأقلية، كما لا يجوز أبدًا، بغية شدّ العصب الطائفي، المتاجرة بهواجس الإقصاء والإذلال أو الاعتداد بنوازع الهيمنة أو الاستحواذ أو الاستئثار.
لماذا الميثاق؟
لدينا وطن رائع، كان مؤهّلًا ليغدو من أعظم أوطان الأرض. وكان لديه ولدى سكّانه كامل المقوّمات لبناء اقتصاد عملاق على أرض بهية، ولإنتاج ثقافة مرهفة لشعب ذكي وشجاع، لديه الجدارة والعزم على المساهمة في صيرورة الحضارة، كما يفعل، في كلّ يوم وتحت كلّ سماء، أرتال من الرجال والنساء اللبنانيين الذين رمتهم الأقدار في أمصار لم تلوّثها بعد أنانية من تولّوا أقدار الوطن الحزين، وتركوه عرضة للهوان والسقوط. تأسس النظام السياسي الطائفي الذي عُرِّف "بالصيغة" اللبنانية في الحقبة التي تلت تفكك السلطنة العثمانية وإعادة تشكيل الكيانات السياسية في ظل الانتداب الفرنسي والنفوذ البريطاني، على قاعدة الصراع على تقاسم السلطات في الدولة الناشئة بين إقطاعيات طائفية وأسرية. لقد خلّف هذا الصراع تناقضًا وهميًا بين هذه الإقطاعيات وجد مسوّغه في اصطناع هوية متخيلة خاصة لكل من جناحي الوطن، وقد اوغل الفريقان في سعيهما لإعطاء الوطن اللبناني وجهًا دينيًا أو عنصريًا يميّزه ليضمن من خلاله السيطرة ايديولوجيًا عليه. فقد أثارت هيمنة الطائفة المارونية على القرار السياسي حفيظة الآخرين وشعورهم بالغبن وبالحاجة للاستقواء بالمحيط مما قاد الى شعور فريق بالغبن والفريق الآخر بالخوف ودفع الفريقان الى المشاركة في حرب الآخرين على أرضهم. استمرت الحرب الأهلية طويلًا حتى أذِنت توازنات القوى الإقليمية والدولية بإنهائها في العام 1989، وأتاحت انعقاد مؤتمر للوفاق الوطني في الطائف، في المملكة العربية السعودية، بإشراف جامعة الدول العربية وبرعاية كريمة وشجاعة من اللجنة العربية العليا المشكّلة من المملكة العربية السعودية ومن المملكة المغربية، والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وقد كلّفت اللجنة مندوبها معالي الأخضر الإبراهيمي هندسة الوفاق الوطني بين اللبنانيين، وكان اختيارها حاذقًا وموفقًا. رحَّب اللبنانيون، بوثيقة الوفاق الوطني بين جناحي الوطن لإنهاء الحرب وقيام الدولة التي تمّ إدراج مبادئها في مقدّمة الدستور، كحلّ نهائي تعاقدي للقضايا التي أدّى التشابك أو التنازع حولها في الماضي بين المواقع الطائفية إلى الحؤول دون قيام الدولة. لم يكن بالإمكان في تلك المرحلة الحرجة، التوسّع في تنفيذ كافة الإجراءات الدستورية والقانونية الضرورية للتخلّي عن النظام السياسي، المتجذّر والراسخ في الأذهان وفي الجغرافيا السياسية والإدارية، فتقرّر إرجاء تنفيذ الإجراءات المواكبة لإلغاء الطائفية لإتاحة فرصة للحوار والتفاهم بين اللبنانيين أنفسهم، خلال المرحلة الانتقالية التي لحظها الميثاق.
وفي ما يلي بنود الميثاق التي أُدرِجت في مقدمة الدستور:
‌أ. لبنان وطن سيّد حر مستقل، وطن نهائي لجميع أبنائه، واحد أرضًا وشعبًا ومؤسسات بحدوده المنصوص عنها في هذا الدستور والمُعترف بها دوليًا.
‌ب. لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسّس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظّمة الأمم المتحدة وملتزم ميثاقها والإعلان العالمي لحقوق الانسان. تجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات من دون استثناء.
‌ج. لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، من دون تمايز أو تفضيل.
‌د. الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يآذارها عبر المؤسسات الدستورية.
‌ه. النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها.
‌و. النظام الاقتصادي حرّ يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة.
‌ز. الإنماء المتوازن للمناطق، ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام.
‌ح. إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه، وفق خطة مرحلية.
‌ط. أرض لبنان أرض واحدة لكلّ اللبنانيين. فلكلّ لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتّع به، في ظلّ سيادة القانون. فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين.
‌ي. لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.
الالتزام بالميثاق: قاعدة الوفاق الوطني
لقد نصّت الفقرة (ي) من مبادئ الميثاق الوطني على أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، وقد وظفت منظومة المحاصصة هذه الفقرة سلاحًا طائفيًا قاتلًا تستعمله أداة لتعطيل العيش المشترك بالذات، تحت غطاء ما أُطلق عليه زورًا تسمية الميثاقية. الميثاقية تعني الالتزام بميثاق العيش المشترك أي التقيّد الشجاع والنزيه بنصوص وثيقة الوفاق الوطني وما تمليه من موجبات وما ترسمه من خارطة طريق لتنفيذ أحكامها حيث إن التخلّي عن النظام الطائفي لإتاحة فرصة بناء الدولة هو الركن التأسيسي للوفاق من أجل العيش المشترك. أمّا الاعتداد بالحصص الطائفية المزعومة وبالتقنين والتخصيص فهو مناقض كلّيًا لروح وثيقة الوفاق الوطني وللعيش المشترك، وهو خيانة للشعب وللوطن وللعقل والإدراك السليم.
1. الوفاق يعني، بكلّ بساطة، الالتزام بوثيقة الوفاق الوطني نصًا وروحًا، واعتبار هذه الوثيقة، عقدًا ملزمًا ومستدامًا غير قابل للتعديل أو للتجزئة أو الانتقاص، كما يعني أنَّ أي تحايل أو تشاطر يقود حتمًا الى الانتحار او الاندثار.
2. الوفاق يعني التوازن بين جناحَي الوطن الذي يحافظ على خصوصية لبنان ويعكس حقائق التاريخ ويجسّد المشروع الذي ناضل في سبيله روّاد النهضة في سعيهم لقيام دولة زمنية في أوطانهم وفصل الدين عن الدولة الزمنية التي تجد شرعية وجودها في القيم الذاتية للأوطان التعددية التي أرستها مفاهيم الحضارة وشرعة حقوق الإنسان.
الميثاق في مبادئه التأسيسية
جوهر الميثاق هو التخلّي عن نظام التمثيل الطائفي في الدولة القائم على مبدأ تقاسم السلطة بين المذاهب، واستبدال الشراكة الافتراضية المستحيلة بين المذاهب بشراكة حقيقية بين المواطنين في دولتهم، هذا من جهة. وفي المقابل أكّد الميثاق على الشراكة في الوطن التعددي الحريص على الحقوق المصانة لكل مكوّناته ومواطنيه، وخاصة الحق بالتنوّع والاختلاف. كرّس الميثاق مبادئ "وثيقة الاستقلال" التي أعلنها الرئيس رياض الصلح في البيان الوزاري لحكومة الاستقلال الأولى الصادر في 8/11/1943، التي تماهت مع "الميثاق الوطني" الذي دعى اليه يوسف السودا وتقي الدين الصلح في العام 1938، على اعتباره عهدًا بين اللبنانيين للحصول على الاستقلال وللتخلّي عن النظام الطائفي وعن الانحياز إلى الشرق أو إلى الغرب على قاعدة الكرامة الوطنية والمساواة التي تعني المشاركة في الحكم والقرار أي علمنة الدولة في الوطن التعددي.
اختزل الميثاق، المرتكزات الأساسية للوفاق، بحيث لا حقوق للمذاهب على حساب الدولة، ولا تخصيص ولا تقنين لأي موقع في السلطة لمذهب أو لعشيرة. الميثاق أخذ من الطوائف ما ليس لها وأعاده إلى المواطنين، وفي المقابل حدد الميثاق سِمات الوطن الذي نريده على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات بين كل مكوناته، على اعتبار أن لا سبيل إلى الوفاق الحقيقي في المجتمعات ذات التنوّع الديني أو العنصري من دون الإلتزام بالقِيَم الاجتماعية الأساسية التي لا تتناقض مع ما تعتبره الجماعات المكوّنة للوطن ماسًا بحريتها، والتي يُعتبَر احترامها وصونها أساسًا لشرعية الدولة والسلطات الحاكمة.
لقد اكّد الميثاق القيم التأسيسية لقيام دولة حديثة زمنية أهمها قِيَم الحرّية في الشأن العام والخاص وحرّية الفكر والمعتقد والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين، والعدالة الاجتماعية والحقوق في الملكية الفردية وفي التعليم والصحة والإنماء. ومن أهم هذه القيم التي تختصر كلّ ما سواها، الإعلان العالمي لشرعة حقوق الإنسان والتزام الجمهورية تجسيد مبادئه في جميع الحقول والمجالات بدون استثناء في رحاب الوطن الذي تعاقدنا على العيش فيه.
السيادة الوطنية والاستقلال
أقرّ الميثاق نهائية الوطن اللبناني وهويته العربية وقضى بسيادة الدولة على كامل أراضيها واستقلال قرارها الوطني بدون وصاية او شراكة. ومن البدهي أن لا سبيل الى الوفاق الوطني الحقيقي إذا ما أجيزت لفريق داخلي أو خارجي حقوق تتعارض مع السيادة الوطنية ومع حق الدولة المطلق في الانفراد في امتلاك السلاح وفي الدفاع عن الوطن، وفي قرار السلم والحرب، أو فيما لو تصوّر أي فريق أن بإمكانه فرض إرادته على الآخرين تحت أي اعتبار.
المرحلة الانتقالية لتنفيذ الاتفاق
كان القصد من المرحلة الانتقالية لتنفيذ الاتفاق إعادة الاعتبار الى المجتمع المدني والسعي لمشاركة النُخب الوطنية والفكرية على امتداد الوطن في حوار بنّاء حول المبادئ والقيم والالتزامات التي تمّ إقرارها في الطائف خارج منطق الأعداد والتعداد وموازين القوى والولاءات. من الراهن أن لا سبيل لمواجهة التآمر والعقل الخرافي ما لم يؤدي الحوار الى حالة شعبية مُدركة ترفع الغطاء عن الفكر المنحرف ومروجي الأوهام والترهات، فلا بدّ من الحوار الوطني الصادق والشجاع لمعالجة رواسب الفكر الطائفي في المجتمع وفي القوانين والأنظمة وإقرار التدابير الآيلة إلى إلغاء الطائفية ومعالجة تداعيات الجرثومة اللعينة في الحياة الخاصة والعامة، في نطاق مبادئ الوفاق التي أقرّها الميثاق، لتفادي التناقضات والتباينات، على خلفية الانتماءات الفئوية أو مصالح أطراف المؤسسة السياسية الحاكمة ورغباتهم. تجدر الإشارة، إلى أنّ الميثاق لم يُجِز خلال هذه المرحلة الانتقالية تخصيص التمثيل الطائفي أو تقنينه لا في الرئاسات ولا في الوزارات، لا في الأعراف ولا في النصوص. فبدعة "الترويكا"، التي تمّ إرساؤها خلال ولاية الرئيس الهراوي والتي زيّنت لشرعية اقتسام السلطة بين "الرئاسات" الثلاث الطائفية خلال المرحلة الانتقالية، لا تتعدّى كونها واحدة من الألغام التي زرعها الوصيّ لتشابك المؤسسات الدستورية والاستعاضة عنها بفتاوى الوصاية وإملاءاتها.

بداية الطريق: مباشرة الحوار الوطني، بموجب المادة /95/ من الدستور
تجسيدًا لمقتضيات الميثاق، تمّ تعديل المادّة /95/ من الدستور، عملًا بأحكام الفقرة (ز) من بند الإصلاحات التي أقرّها الميثاق، التي تنص على ما يأتي:
"على مجلس النواب المُنتخب على أساس المناصفة بين اللبنانيين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفيّة السياسيّة وفق خطّة مرحليّة، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضمّ، بالإضافة إليه كلّ من رئيسي مجلس النواب والوزراء، وشخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مَهَمَّة الهيئة دراسة الطرق الكفيلة لإلغاء الطائفيّة واقتراحها وتقديمها لمجلسي النواب والوزراء، ومتابعة تنفيذ الخطّة المرحليّة".
من المرجّح أن هذه الفقرة من الميثاق، التي أُدرجت في المادة /95/ من الدستور، كانت الدافع الحاسم للانقلاب عليه وتشويه أهدافه وتعطيل تنفيذه، خوفًا من المضي في تحقيق الوفاق المرتكز على تلازم التخلّي عن التمثيل السياسي الطائفي في الدولة وعن الآفة الطائفية في الوطن، هذه المَهمة الدقيقة التي أنيطت بأول مجلس نواب تمثيلي يُنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. وكانت الغاية من المناصفة إضفاء الشرعية الميثاقية على مجلس النواب المُنتخب على أساس المناصفة والتمثيل السليم لاستكمال تنفيذ الميثاق على اعتباره ممثلًا لجناحي الوطن، ومن شأن ذلك توافر الإطار الدستوري والقانوني للقضاء على رواسب العلّة الطائفية. وهذا الأمر لم يكن مُرحّبًا به أو مقبولًا من قِبَل سلطة الوصاية التي أصرّت على أنها الأدرى بما يريده اللبنانيون والأحرص على مستقبلهم. منعًا لأي التباس حول المادة /95/ المشار إليها التي تقضي بالتخلّي عن الطائفية من طريق الحوار بين اللبنانيين، لا بد من توضيح الآتي:
أولًا: الطائفيّة السياسيّة، تعني نظام التمثيل السياسي الطائفي في الدولة المستحيلة الذي هو أساس العلّة والمعطّل لقيام أي دولة.
ثانيًا: المقصود بإلغاء الطائفيّة السياسية، هو إلغاء التمثيل الطائفي وتحرير الحيّز العام المُغتصب أو المُصادر من المواقع النافذة في المنظومة السياسية.
ثالثًا: قضى الميثاق بتشكيل الهيئة الوطنيّة للحوار، لدراسة الطرق الكفيلة لإلغاء الطائفية التي يرأسها رئيس الجمهوريّة، من شخصيّات سياسيّة وفكريّة واجتماعيّة، فضلًا عن رئيسي مجلس النواب والوزراء. المقصود إذًا تشكيل الهيئة من شخصيّات وطنية مستقلّة عن الاصطفافات الطائفية والسياسية. قادرة على إدارة حوار وطني حول القضايا التي شكلت في الماضي المادة المُحفِزة للانقسامات وللحساسيات الطائفية، ومن الطبيعي ألّا يقتصر هذا الحوار على أعضاء الهيئة الوطنية وحسب، ولا بدّ ان يؤدي الى مشاركة نخب وفاعليات الاجتماع اللبناني في الوطن وبلاد الانتشار.
رابعًا: التنفيذ الدقيق والكامل للفقرة (ز) من الميثاق، موجب ميثاقي، من غير الجائز التغاضي عن تحقيقه أو التنكّر لأحكامه، حيث أنه المدخل الإلزامي إلى قيام الدولة والى تجاوز المرحلة الانتقالية التي لحظها الميثاق، حيث أسفر التأخير في تنفيذها، لأكثر من ثلاثة عقود، نتيجة الانقلاب الذي حصل غداة اندلاع حرب الخليج، الى الإخلال الخطير بالميثاق وبقواعد انتخاب مجلس نواب تمثيلي على أساس المناصفة بين جناحي الوطن، وحوّل السلطة القائمة، بكل مؤسساتها الى سلطة أمر واقع، وقاد شعبنا الى اليأس والهجرة.

رئيس الجمهورية مسؤول عن تنفيذ أحكام الدستور ومقتضيات المادة /95/ من الدستور.
لقد قضت وثيقة الوفاق الوطني بتولي رئيس الجمهورية رئاسة هيئة الحوار الوطني المكلفة باقتراح الإجراءات والأنظمة الملازمة لقيام دولة مواطنة ديمقراطية لاطائفية. لكنّ هذا الموجب غُيّب بعد اغتيال الرّئيس رينه معوض، إذ توجس من خلفوه في رئاسة الدولة من سلوك الطريق المحظّر. وقد أكّد اللجوء إلى الاغتيال الجبان، خوف القتلة من مناعة الشعب اللبناني ومن قدراته في بناء دولة عصرية، دولة حرية وكرامة محررة من التخلّف ومن سجون الطوائف مؤهلة أن تصبح مثالًا رادعًا لادعاءات الأنظمة العنصرية والديكتاتورية والقمعية التي لا تضمر الخير لوطننا.

التوازن بين جناحي الوطن يقتضي تحرّر رئاسة الجمهورية من ملكية الطوائف
قضت وثيقة الوفاق الوطنيّ، بأنّ لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، وبأنّ نظامها اللاطائفي قائمٌ على مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها. كما لحظت أن يكون رئيس الجمهورية، من أي طائفة كان، رئيسًا للدولة ورمزًا لوحدة الوطن، وأن يسهر على احترام الدستور، وعلى المحافظة على استقلال الدولة ووحدتها وسلامة أراضيها.
لقد ميَّز المؤتمرون في الطائف رئيس الجمهورية بمَهمة تاريخية جعلت منه المؤتمن على تحقيق الموجب الميثاقي الذي ينصّ على أنّ إلغاء الطائفية السياسية هدف وطنيّ يقتضي تحقيقه، على اعتباره الشأن الأهمّ لحاضر ولمستقبل اللبنانيين المسيحيين والمسلمين، على حد سواء، والطريق الآمن للحفاظ على الوطن وعلى تطلعات شاباته وشبابه وأجياله الصاعدة.
إن حرمان الجمهوريّة من رئيس بالمطلق، ليس أشدّ ضررًا من حرمانها من رئيس يمتلك الشجاعة والحكمة، ونفاذ الرؤية، والقدرة على استعادة الوطن لجميع أبنائه. وهذا الحرمان ينسحب على جميع اللبنانيين المسيحيين والمسلمين والعلمانيين على حد سواء.

الحوار من أجل صياغة دستور للدولة الموعودة
من الواجب وضع حدّ للالتباس الشائع حيال الخلط بين ميثاق الطائف ودستور الجمهورية اللبنانية الذي سمّي، عن جهل أو عن قصد، "دستور الطائف"، وهو دستور العام 1926، الذي أُدخلت عليه تعديلات، كان آخرها التعديل الذي حصل في العام 1990، والذي تناول، بشكل مجتزأ، الإصلاحات السياسية والإجرائية التي أقرّها الميثاق، والذي تحوّل الى أداة للتشابك والاشتباك بين الرؤساء في الترويكا وأتباعهم ومريديهم.
إن الرأي الشائع الذي يعتبر الدستور المعمول به حاليًا بكلّ مندرجاته ميثاقًا لا يمكن تعديل أي من نصوصه، يجانب الحقيقة. وقد لا يكون مجرّدًا أو نزيهًا. على اعتباره يعطل إمكانية تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني وتعديل النصوص الدستورية الغامضة أو الملتبسة، حول صلاحيّات المؤسسات الدستورية، وفصل السلطات وتوازنها وتعاونها.
فالدستور، بحكم وظيفته، الكتاب الناظم لهندسة النظام السياسيّ وتأمين ضبط إيقاعه لاستدراك الثغرات في نصوصه أو التناقضات بين بنوده، وهو كأي كائن حيّ معني بمواكبة المتغيرات التي لا بدّ منها في حياة الأمم. وعلى السلطة التشريعية تصحيح أيّ نصّ دستوريّ لا يراعي موجبات الدولة الحديثة أو يتعارض مع النظام العامّ أو مع الميثاق. ومن الراهن ان كافة الدساتير بما في ذلك الدستور اللبناني، نصّت على آلية تعديلها عندما تدعو الحاجة لحسن أداء السلطات الدستورية، ومن المؤسف أن تقتصر التعديلات منذ الطائف وحتى هذا التاريخ على مخالفات الدستور في سبيل تمديد الرئاسات الملتبسة خلافًا للميثاق وللمبادئ الدستورية.
يبقى الهاجس الأكبر وهو وعي رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور، لدوره المستحدث، بعد اتفاق الطائف الذي يستدعي الكثير من الشجاعة وحذاقة الرأي والبصيرة والمسؤولية، لا كممثل لطائفة بل كحارس للميثاق ومسؤول عن احترام الدستور وتطويره وتعديله، عندما يقتضي الأمر، لا كمحاسب للحصص الطائفية.
من غير الجائز الخلط بين رئاسة الدولة المعنية بإعادة السفينة الجانحة إلى مرفأ الأمان، وبين رئاسة إحدى الطوائف التي تجعل الرئيس شريكًا في تقاسم المناصب في السلطة والمؤسّسات، في ترويكا المحاصصة الطائفية التي روّج لها الوصيّ المنتدَب، بعد الانقلاب على الميثاق، لاستيلاد هذا الكائن المسخ الثلاثي الرؤوس والأبعاد. فمن غير المجدي انتخاب رئيس للجمهورية تعوزه القدرة أو الشجاعة لمواجهة التحديات التي تنتظر الوطن الذي لا وطن لنا سواه.

القضايا الجوهرية للحوار الوطني
لوطننا المعذّب مقومات موضوعية لبناء دولة زاهرة واقتصاد عملاق وثقافة متألّقة ودور عالمي في تطوّر حضارة الإنسان، وله خصوصيته الفريدة الناجمة عن تكوين مجتمعه، في التآلف والتعارف بين الأديان والشعوب، هذا الدور الذي غدا اليوم حاجة للعالم أكثر من أي وقت مضى.
من البديهيّ، أن لا مجال للنهوض الاقتصاديّ أو للإصلاح السياسي أو للتنمية البشرية أو للسلم الأهلي ما لم يتوافر للبنانيين دستور حديث لانتظام أداء السلطات ومؤسسات الدولة ويجسّد ثوابت ميثاق عيشهم المشترك، يتناول القضايا الجوهريّة التي أقرّها الميثاق، والتي لا تزال الفئات المكوّنة للمجتمع الوطني تعتبرها أساسية لتحقيق ذاتها في المساواة والكرامة، في جمهورية ديمقراطية برلمانية عصرية وفي وطن عزيز ومُصان.
تتناول الإصلاحات المعوّل عليها لتنفيذ الميثاق، تكريس الالتزامات الميثاقية المتبادلة بين اللبنانيين لقيام دولتهم اللاطائفية. وهي تشكل، في حال إقرارها، عقدًا اجتماعيًا يعبّر عن إرادة اللبنانيين في توضيح الأسس التي توافقوا عليها وإدراجها في الدستور "الكتاب" الناظم لعيشهم معًا وللعبور الى دولة المواطنة.
صيغة العقد الاجتماعي هذا لن تأتي من فراغ، إذ عليها أن تجسّد، بشجاعة وأمانة، مقتضيات الوفاق الوطني لمعالجة القضايا التي شكّلت في الماضي، ولا تزال تشكّل أساس الهواجس في الفكر الطائفي. وسيكون على هيئة الحوار وعلى المجتمع المدني تصوّر الصيغة التي توفّر للجماعات اللبنانية ترتيبات العيش معًا، التي لا بدّ أن تتناول التباين في وجهات النظر بين الجماعات على خلفية طائفية. قد لا يكون هذا التباين جوهريًا أو اساسيًا، ولكنَّ إغفال التوافق حوله، بنزاهة وشفافية، وتوثيقه في الدستور والقوانين والأنظمة، يترك الباب مشرّعًا لتجار الفكر الطائفي ولأعداء لبنان.
القضايا الأساسية للحوار
إنَّ القضايا الرئيسية التي شكّلت في الماضي أرضية الخلاف والتناقض بين الفئات اللبنانية على خلفية طائفية، والتي ما زالت تستدعي حوارًا وطنيًا نزيهًا وشجاعًا، هي:

المحور الأول: القيم الذاتية التأسيسية للجمهورية: أي وطن نريد
لا فرصة لقيام دولة حديثة ديمقراطية مستقرة محرَّرة من سجون الطوائف، ما لم يؤكّد اللبنانيون بشكل واضح ودقيق وغير ملتبس في دستور دولتهم الأحادية النصاب شراكتهم في الوطن على قاعدة المساواة والتزامهم النزيه بالقيم الذاتية التأسيسية لجمهوريتهم، كالحرية في الشأن العام والخاص والكرامة الإنسانية والوطنية، وحرية الضمير والفكر والمعتقد والتقيّد بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان في كل المجالات وحق المواطنين بالمساواة وبالعدالة الاجتماعية وبالصحة والتعليم، وهذه المبادئ العامة تستدعي استدراكها في النصوص الدستورية وفي القوانين.


المحور الثاني: الكيان والهوية الوطنية والهوية القومية
أقرّ الميثاق أن لبنان وطن سيّد مستقل ونهائي. وانه وطن عربي الهوية والانتماء. تتكامل فيه الهوية الوطنية اللبنانية مع الهوية العربية الجامعة، على اعتبارهما معًا هوية مستقبلية، يجسّدها انتماؤنا الى ميراث الحضارة العربية المتألقة والمحررة من الولاءات الدينية والعرقية والجغرافية والمكرّسة لدور لبنان ورسالته في دنيا العرب.
كانت بلاد العرب، على امتداد مساحتها، المسرح الأرحب للقاء حضارات البشر، منذ فجر التاريخ، قبل أن تتمخّض حضارةً عربيةً غنيةً بتراكم طبقات روحية شكلّت بتنوّعها مختبرًا إنسانيًا للتآلف والتعارف، لبلورة الهوية العربية المنفتحة والسمحاء التي نادى بها روّاد الفكر اللبنانيون، منذ القرن التاسع عشر، ونادوا بها منطلقًا وقاعدة لبناء مستقبل مشترك، يُعيد إلى العرب ما أعطوه للعالم، ويعيد لبنان الى موقعه في ورشة نهضة الشعوب العربية وعودة الروح الى حضارتهم وقيمهم. ومن المهم أن يؤكّد اللبنانيون خيارهم لهذه العروبة الجامعة، بدون انتقاص أو تجزئة.

المحور الثالث: فصل الدين عن الدولة
الدولة الزمنية التي تُلغي الطائفية هي البديل عن الدولة الطائفية التي تُلغي إمكان قيام دولة منجزة. وهي تطرح إشكالية فصل الدين عن الدولة، ودائرة الإيمان عن دائرة السياسة. ومن الراهن أن بإمكاننا، من طريق الحوار، إقرار نظام زمني خاصّ بنا، بدون الحاجة إلى تجاهل خصوصيات المذاهب والطوائف. وسيكون على الهيئة الوطنية للحوار طرح الحلول التي تصون حرية الضمير والمعتقد، بدون أن يؤدي ذلك إلى تحويل العلمنة الى دين جديد للدولة، أو إلى إشكالات المؤسسات الروحية في مآذارة سلطاتها على من تعتبرهم من رعاياها.

المحور الرابع: تكوين السلطة
إنَّ النظام السياسي الذي ارتضاه الاجتماع اللبناني للعيش معًا هو الديمقراطية القائمة على مبادئ أصبحت من النظام العام، الذي يتقدّم في تراتبية المعايير القانونية على الميثاق وعلى الدستور. ومن أهم هذه المبادئ اعتبار حقوق المواطن في المساواة والعدالة حقوقًا طبيعية مكرّسة، لا يجوز الانتقاص منها. وهي تنسحب على الجماعات وعلى الأقليات الدينية والإتنية، وتتقدّم على منطق الأعداد والتعداد.
اللبنانيون مجمعون في أدبيّاتهم السياسية على اعتبار مبدأ التوازن بين جناحي الوطن، واحدًا من المسلّمات الميثاقية التأسيسية للعيش معًا. إنّ حلّ الإشكالية المطروحة لتكريس هذه المسلّمة يمرّ بالتوافق على الضوابط التي تحدّ من تنامي عصب المتّحدات التفكيكية المؤدية إلى الانقسامات العمودية الملازمة لشهوة الاستحواذ أو لنوازع إلغاء الآخر وإقصائه، وقد أوكل الميثاق هذه المهمة النبيلة الى هيئة الحوار الوطني.
من نافل القول أن الشرط الإضافي الملازم لقيام الدولة الزمنية العصرية، يكمن في الكفّ عن تقاسم المناصب بين الطوائف، مما يعني، تحرير كافة المواقع في السلطة، بدءًا من رئاسة الجمهورية حتى حارس المحطة، من التخصيص والتقنين، وهذا هو جوهر ميثاق الطائف. ويعني ذلك توفير الفرصة لأي مواطن، بمعزل عن طائفته وانتماءاته، لارتقاء أي منصب عام. أي، تحرير المنصب من ملكية المواقع النافذة في الطوائف وإعادته إلى المواطن، بمعزل عن دينه ومذهبه وانتمائه، وبدون تمييز بين مواطن وآخر، لا في القوانين والأنظمة ولا في التطبيق.
السؤال الذي ينتظر الجواب من الهيئة الوطنية للحوار، المعوّل عليها للحفاظ على خصوصية هذا الوطن ومستقبل أجياله هو الآتي: كيف يمكن، في حال تخلّينا عن الطائفية السياسية وتوزيع السلطة حصصًا بين الطوائف، أن نوفّر الظروف لإنتاج سلطة وطنية تشارك فيها الجماعات اللبنانية على قدم المساواة من دون هيمنة فريق على آخر؟ وما هي الآلية التي توفّر الديمومة لهذه الصيغة، وتحافظ على التوازن والسلم الأهلي وتكون صمّام الأمان في الأزمات الوطنية؟
الجواب عن السؤال المطروح، هو في الحقيقة، الوسيلة المنطقية للبحث عن هذه الصيغة البديلة. فمن الراهن، في الأنظمة البرلمانية الديمقراطية، أن المجلس النيابي المنتخب بشكل سليم والذي يمثل مكوّنات الوطن هو المصدر الأساسي لكافة السلطات، لأنه مولج بإنتاج المؤسسات الدستورية ومراقبة أدائها ومحاسبتها. فلنفترض أن بإمكاننا إيجاد صيغة إجرائية تؤمن الحضور المتوازن، في مجلس نيابي تمثيلي يُنتخب خارج القيد الطائفي، وأن هذا المجلس الذي سيتألف من ممثلين منتخبين وفقاً للمبادئ الديمقراطية، سينتخب بدوره رئيساً للجمهورية، بمعزل عن انتمائه الطائفي، وكذلك رئيساً لمجلس النواب، وسوف تُشكَّل الحكومة وفقاً للأصول الديمقراطية، وستكون هذه الحكومة خاضعة لمراقبة ومحاسبة مجلس نيابي يُمثّل بصدق الشرائح اللبنانية كافة، دون أن يوفر للرئيس أو لوزرائه، من أي طائفة كانوا، حصانة مذهبية؛ ولنفترض أن ذلك سوف ينسحب على الموظفين في الإدارة. مهما بدا هذا الكلام تبسيطياً وعرضةً للنقاش، فلا بد من أن يؤدي التخلي عن نظام المحاصصة الطائفية، إلى البحث عن معايير بديلة، لتولّي المناصب في الإدارة والمجال العام، ترتكز على الكفاءة والجدارة، وسيكون على المسؤول مهما كانت طائفته انتهاج الحياد في مآذارة مسؤولياته مع المواطنين. فإذا توافرت هذه الآلية لإنتاج سلطة وطنية خارج نهج المحاصصة الطائفية، فسيكون عند ذلك، وعند ذلك فقط، إمكانية لقيام دولة زمنية أحادية النصاب، تراتبية وحيادية، خلافاً لواقع نظام المحاصصة الطائفي الفاشل والفاسد.
إذا قدر للدولة أن تقوم، سنتحرر أولاً تجاه العالم الخارجي من وصمة التخلّف، حيث ستكون لنا دولة عصرية مثل سوانا من شعوب العالم، كبديل عن تجمع طوائف متناحرة، لا تليق بما ندّعيه من تقدم حضاري. وسيتحول الأفراد من رعايا طوائف إلى مواطنين في دولة، لا حاجة لهم لوسيط أو شفيع معها. وسيعاد للموظف المحرر من الارتهان دوره في رعاية المواطنين وخدمة الشأن العام.
إن انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي، وخارج نظام المحاصصة، سيتيح إعادة تشكيل العلاقات الإجتماعية، وحمل اللاعبين في أعلى الهرم، المحررين من التبعية الطائفية، إلى الكف عن استقطاب اتباع لهم في المراتب الأدنى ليجاروهم المنطق ذاته. وسيصبح عندئذ من الممكن المحاسبة والمساءلة وتطهير الموظف الفاسد، وانتقاد هذا الرئيس او ذاك، دون أن يعني ذلك تعرضاً لهذه الطائفة أو تلك، وسوف يمكن حل أزماتنا الوطنية ديمقراطياً باللعبة البرلمانية دون الجنوح للإستقواء بالغير والبحث عن وساطة أو مرجعية خارجية أو شفاعة صديق أو شقيق.

اللقاء الثّاني 16-11-2022

اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا”

لمحات من اللّقاء الثّاني من مسار الحوارات الصّباحيّة  “اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا”

لمشاهدة الحلقة كاملة

 اللّقاء الثاني أتى تحت عنوان “اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا”، بهدف الإضاءة على التطورات المستجدة على هذا المستوى البحث الجاري بشأن سلسلة من اقتراحات ومشاريع القوانين الخاصة باللامركزية الاداريّة الموسّعة والمواقف المتعددة منها، بما يعيد الاعتبار الى “وثيقة الوفاق الوطني” أي الدستور نصًّا وروحا من أجل بناء دولة المواطنة الحرّة والسيدة والعادلة والمستقلّة.
في بداية اللقاء الذي نقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّ بالملتقى، كان النشيد الوطني اللبناني، وبعده فيلمين وثائقيين الأول تناول: “ملتقى التأثير المدني: عشر سنوات/ القضيّة لبنان والإنسان”. والثاني كان ملخّصًا لوقائع اللقاء الاول من مسار هذه الحوارات الذي عقد الشهر الماضي تحت عنوان” جوهر وثيقة الوفاق الوطني المادة 95 من الدستور”.

بيان صحفي

في اللقاء الثاني “اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا”
ملتقى التأثير المدني استأنف برنامجه من “الحوارات الصباحية” الشهريّة
حاسبيني: أخَذْنا على عاتِقِنا كملتقى الانكِباب على مُعالجة مسبِّبات الأزمة لا عوارِضِها
شلق: ما زال الحكام يتخاصمون ويتحاصصون متجاهلين الشعب الموجوع والمقهور
الشاعر: خاف مشرعو اللامركزية من فقدان سيطرتهم على السلطة لصالح الإرادة الشعبية

نظّم ملتقى التأثير المدني قبل ظهر اليوم اللقاء الثاني من مسار “الحوارات الصباحية” الشهرية في فندق الجفينور – روتانا الحمرا في حضور نخبة من الشحصيات الأكاديمية والادارية والقانونية والدستورية والثقافية والفكرية والعسكريين المتقاعدين والإعلاميين، وناشطاتٍ وناشطين في المجتمع المدني ورئيس واعضاء الملتقى.
اللّقاء الثاني أتى تحت عنوان “اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا”، بهدف الإضاءة على التطورات المستجدة على هذا المستوى البحث الجاري بشأن سلسلة من اقتراحات ومشاريع القوانين الخاصة باللامركزية الاداريّة الموسّعة والمواقف المتعددة منها، بما يعيد الاعتبار الى “وثيقة الوفاق الوطني” أي الدستور نصًّا وروحا من أجل بناء دولة المواطنة الحرّة والسيدة والعادلة والمستقلّة.
وقائع اللقاء
في بداية اللقاء الذي نقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّ بالملتقى، كان النشيد الوطني اللبناني، وبعده فيلمين وثائقيين الأول تناول: “ملتقى التأثير المدني: عشر سنوات/ القضيّة لبنان والإنسان”. والثاني كان ملخّصًا لوقائع اللقاء الاول من مسار هذه الحوارات الذي عقد الشهر الماضي تحت عنوان” جوهر وثيقة الوفاق الوطني المادة 95 من الدستور”.

كلمة نائب رئيس الملتقى الدّكتور عبد السلام حاسبيني

وبعد ذلك القى نائب رئيس الملتقى الدّكتور عبد السلام حاسبيني كلمة رحب فيها بالمشاركين في اللقاء، وقال: “ان اللّقاء الثاني من مسار “الحوارات الصّباحيّة” الذي نعقده اليوم تحت عنوان: “اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا” يشكّل التزاما منا كملتقى بـ “العَوْدة إلى وثيقة الوفاق الوطنيّ (إتّفاق الطّائف) ببنودها الإصلاحيّة كي نستعيد معًا خيار تطبيق الدّستور نصًّا وروحًا، لِبناء دولة المواطنة الحرّة السيّدة العادلة المستقلّة، دولة العَيش معًا”.

وأضاف حاسبيني: “مع اعتِرافِنا في الملتقى بتفوّق هذه الهُموم الماليّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة على يوميّاتنا، فقد أخَذْنا على عاتِقِنا الانكِباب على مُعالجة مسبِّبات الأزمة، لا عوارِضِها، إذ هو لبنان دولةً وشعبًا يتعرَّضُ لجريمة منظّمة يرتكِبُها تحالُف المافيا – ميليشيا، ما يستدعي منَّا تصويب البُوْصلة لإنقاذه من هذا المستنقع الجُهَنَّمي”.


كلمة شلق


ثم كانت كلمة ميسّرة الحِوار هدى الخطيب شلق، فتحدثت عن الظروف التي قادت إلى “وثيقة الوفاق الوطني” في الطائف لإنهاء الحرب في لبنان، وما وضعته من “مسار واضح للانتقال والعبور من الحرب الى بناء دولة مدنية حديثة”. واشارت الى “ما نالته من الإجماع اللبناني والدعم الإقليمي والدولي على الصعيدين القانوني والسياسي”، الى ان أقرّ مضمون الاتفاق في مجلس الأمن الدولي في بيانيه في 7/11/1989 و 22/11/1989، واللذين أكّد فيهما دعمه لبنود هذا الاتفاق كافة الذي نجح في “تسوية للأزمة اللبنانية بكلّ جوانبها مع ضمان سيادة لبنان الكاملة واستقلاله وسلامة أراضيه والوحدة الوطنية فيه”. قبل ان يقره المجلس النيابي اللبناني من دون أي تحفّظ أو استثناء في جلسته المنعقدة بتاريخ 5/11/1989.
وسألت شلق عن الأسباب التي حالت دون تطبيق الطائف الى أن جاءت ثورة 17 تشرين 2019 التي “نادى فيها المتظاهرون بكل الشعارات التي نادت بها الوثيقة من إصلاحات”. وقد عبر اللبنانيون بكافة تنوعهم عن ذلك “بلغة الشعب الموجوع والمقهور”. ولكن ما زال الحكام يتخاصمون ويتحاصصون. ولفتت الى ان “الاستجابة لهذه المطالب تقتضي السعي الى تطبيق واحدة من اهم الإصلاحات وهي اللامركزية الادارية مع ابقائها ضمن الدولة الواحدة الموحدة بعيداً من أي منحى تقسيمي. وهي التي تتيح المجال لمشاركة المواطن في الانماء المتوازن العادل وكذلك الانصهار الوطني”.
وأكدت شلق “ان اللامركزية كتنظيم إداري، تراعي خصوصيّة الحاجات المحلّية، وتشكل كما “حرصٌ المشرع على أن تحتفظ الدولة المركزية بحصرية الإمرة والصلاحية في مسائل عدة منها الدفاع والنقد والخارجية والعدل والتشريع كما تقوم بعملية التنظيم والتقنين والتوزيع العادل للموارد ضمن المجتمع”.
وانتهت شلق الى التأكيد بانه “وبالرغم من مرور نحو ثلاثة عقود على توقيع وثيقة الوفاق الوطني، لم تأخذ اللامركزية الإدارية طريقها نحو التطبيق، ومازالت موضع جدل وأخذ وردّ”” منبهة الى “مخاطر هذا التردد في ظل الانهيار الكبير الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ لبنان”.


كلمة الشاعر


وبعدها قدم المحامي ربيع الشاعر “ورقة عمل اللّامركزيّة الإداريّة والماليّة في لبنان” فتوسع في شرح “اللامركزية الإدارية والماليّة” باعتبارها “أحد تجسيدات الديمقراطية من أجل صحة التمثيل الشعبي وبلوغ الحد الأعلى من التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتسهيل معاملات المواطنين وتمكين كل منطقة من الحصول على حصتها من الانفاق العام وتوفير المزيد من الوقت والتخفيف من الروتين الإداري”.

وبعدها انتقل الشاعر الى تحديد المعايير التي تحكم “اللامركزية الإدارية والمالية” كما يحددها “العلم الإداري” معتبرا أنّ “الإدارة المحليّة المنتخبة، المتمثّلة بالبلديات لا تستوفي جميع شروط اللامركزية الإدارية بمفهومها المعاصر” وهي تشكو “من صعوبة جباية الرسوم ناهيك عن صعوبة السداد إن لم نقل الاستحالة مما يشلّ جميع المبادرات التي تقوم بها. كما ندرة الموارد الماليّة لهذه البلديات”.
وتحدث الشاعر عن مراكز الخلل في الحلول المقترحة فاعتبر أن “طرح النواب في مؤتمر الطائف لم يكن موفقاً”، إمّا “عن تقصير وإمّا لغاية في نفس أهل النظام السياسي وهو مركزيٌ بامتياز”. فاللامركزية تشترط بان “تكون مجالس السلطات اللامركزية منتخبة من الشعب ولا تمثل إلاّ إرادته”، وربما انهم “خافوا من فقدان سيطرتهم على السلطة لمصلحة الإرادة الشعبية، ولم تكن لهم رؤيا مستقبلية لمسائل الحكم”.
وتناول الشاعر النظرة الى الدور الاقتصادي والاجتماعي للإدارات المحلية المنتخبة وأهمية استقلالها المالي. ولفت الى مجموعة من الآراء المتناقضة بين من يتخوف من “الإفراط في اللامركزية الإدارية لدرجة الوصول إلى استقلالية واسعة للمناطق، تهدّد الوحدة الوطنية”. وآخرين “يغالون بالمطالبة باللامركزية الإدارية واسعة الصلاحيات كضمانة للمبادرة الفرديّة وللاقتصاد الحرّ وبالتالي للازدهار والتطوّر”. وما بينهما فئة ثالثة تدعو “إلى اختيار حلّ وسطي يؤمن لبلدٍ كلبنان اللامركزية الإدارية كأفضل وسيلة للتعبير عن رغبات مجموعة من الناس وتلبية حاجات منطقة معيّنة شرط أن تحتفظ الدولة بدورها في المراقبة والتنسيق وتوزيع الثروات من أجل بسط العدالة الاجتماعية بين الجميع”.
واعتبر الشاعر أن الإنماء المتوازن كان وسيبقى “على مسؤولية الدولة بالتوافق مع الجميع”. فهي مكلفة بتوزيع الثروات بشكل عادل وضبط المالية العامة”. لافتا الى أهمية “المعايير العلمية التي تأخذ بعين الاعتبار الحاجات الاقتصادية والاجتماعية”، ومنها مثلاً “مقارنة معدلات النمو الاقتصادي لهذه المناطق والدخل الفردي فيها والبطالة والتطور والإنتاج ونقاط ضعف كلّ منها”.
واستنادا إلى المعطيات التي عددها، دعا الشاعر إلى “عدم الخلط بين الفدرالية واللامركزية واللّاحصريّة، وحصر دور الدولة بواجباتها الأساسية ومن ضمنها تأمين الانسجام الوطني والإنماء المتوازن بين مختلف المناطق. وتعزيز دور السلطة المركزية” وكل ذلك يجري من خلال إنشاء وزارة مستقلة للمجالس المحلية والتنمية الإدارية، ووزارة للتخطيط أو مجلس للإنماء المتوازن وتحديد الوظيفة الاقتصادية لكل قضاء من خلال وضع استراتيجية لا تتنافس فيه الأقضية فيما بينها بل تتكامل”. وأضاف الشاعر: من الضروري تفعيل الحكومة الالكترونية والحوكمة ومكافحة الفساد، تفعيل قانون الشراء العام والمديرية العامة للاحصاءات، إنشاء هيئة إشراف مستقلة على الانتخابات، تعديل النظام الضرائبي وتفعيل الجباية وإعداد الموظفين وتدريبهم وانشاء المحاكم الادارية في الأقضية وتنظيم وتوزيع المرافق والخدمات العامة للدولة بشكل عادل بين كافة الاقضية وإلغاء منصب القائمقام وتعزيز دور المحافظ. وإجراء تقسيمات إدارية على أساس معطيات اقتصادية اجتماعية وديموغرافية”. كما اقترح الشاعر “إنشاء جهاز شرطة مهمته حفظ الأمن على مستوى القضاء. وإعادة النظر في قانون انتخاب المجالس المحلية على النحو الذي يتيح للناخبين الاقتراع بحسب مكان إقامتهم. وإضافة صلاحيات أخرى على اختصاصات المجالس المحلية منها صلاحيات القائمقام بعد إلغاء هذه الوظيفة وإنشاء وتطوير البنى التحتية، مروراً بانتاج الطاقة والمشاريع ذات الطبيعة الاقتصادية وتنظيم النقل العام والخاص ووضع التصاميم العائدة للقضاء والمخطط التوجيهي العام بعد موافقة البلديات كل ضمن نطاقها”. وأشار الشاعر “إلى أهميّة تعديل الصلاحيات المالية والادارية للمجالس المحلية المنتخبة لتفادي الازدواج الضريبي وأن تكون موزعة بين الضرائب على الدخل والقيمة المضافة والأملاك المبنيّة. وزيادة معدلات 25 رسماً بلدياً، والسماح للمجالس المحلية باقتراض الأموال من القطاع الخاص واعتماد آلية لإعداد الموازنات وتطوير نظام محاسبة موحد وتعميمه وإلغاء الوصاية والرقابة الإدارية المسبقة واعتماد الرقابة اللاحقة التي تضمن للمجالس المحلية المنتخبة حريّة المبادرة وإنشاء فروع محلية لديوان المحاسبة العامة في الأقضية لضمان الشفافية وللحدّ من الفساد والتفريط بالمصلحة العامة”. وخلص الشاعر الى القول: “إن تحقيق الغاية المرجوة من اعتماد اللامركزية الإدارية بشقها الاقتصادي – المالي لا يمكن أن يتم إلا في إطار عملية اصلاحية متكاملة سياسيًّا، واقتصاديًّا وإدارياً وقضائياً. فالإصلاح كلٌّ متكامل يحقّقه التلاقي بين الإرادتين السياسية والشعبية”.

بعدها كان نقاش بين المنتدين والمشاركات والمشاركين.

ملتقى التأثير المدني
المكتب الإعلامي
16 /11/2022

كلمة نائب رئيس ملتقى التأثير المدني الدّكتور عبد السلام حاسبيني

السيّدات والسّادة،
ها نحنُ وإيّاكُم نلتقي بفرحٍ في اللّقاء الثاني من مسار "الحوارات الصّباحيّة" تحت عنوان: "اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا"، وقد آلَيْنا على أنفُسُنا في "ملتقى التأثير المدني" العَوْدة إلى وثيقة الوفاق الوطنيّ (إتّفاق الطّائف) ببنودها الإصلاحيّة كي نستعيد معًا خيار تطبيق الدّستور نصًّا وروحًا، لِبناء دولة المواطنة الحرّة السيّدة العادلة المستقلّة، دولة العَيش معًا.
يجب علينا الاعتراف أنّ الهموم الماليّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، باتت تفرُض ذاتَها على يوميّاتنا بل حتّى على آفاقِنا، لكنّنا في "ملتقى التأثير المدني"، ومع اعتِرافِنا بتفوّق هذه الهُموم، فقد أخَذْنا على عاتِقِنا الانكِباب على مُعالجة مسبِّبات الأزمة، لا عوارِضِها، إذ هو لبنان دولةً وشعبًا يتعرَّضُ لجريمة منظّمة يرتكِبُها تحالُف المافيا-ميليشيا، ما يستدعي منَّا تصويب البُوْصلة لإنقاذه من هذا المستنقع الجُهَنَّمي، وافتتاح مسار بناءِ سياساتٍ عامَّة تُطبّقها الحوكمة الرّشيدة، وهذا يقع في صُلْب هدف ورسالة "ملتقى التأثير المدني"، فنحنُ في زمن إعادة تكوينِ السُّلطة واسترداد الدّولة.
السيّدات والسّادة،
مسار "الحوارات الصّباحيّة" مُنْطَلَقُ فِكرٍ تغييريّ إصلاحيّ لِفعلٍ تغييريّ إصلاحيّ، ولمّا كُنّا قد آلينا على أنفُسُنا التّفكير العملانيّ المُعمّق في الإصلاحات البنيويّة، وبعد أن أطللنا في اللّقاء الأوّل على المادّة 95 من الدّستور آفاقًا وتعطيلًا، نُطِلّ اليوم على إصلاحٍ مؤسِّس في الإنماء المتوازن والعيش معًا، وهو اللّامركزيّة الإداريّة الموسّعة، عسى نَغوص فيه لخدمة القضيّة اللُّبنانيّة والإنسان، فتعود العقلانيّة والحكمة والصّلابة والنّزاهة رأس حربة لِقيام دولة المواطنة، دولة الحقّ والعدل. هذا عهدٌ علينا ووعد.
عُشتم وعاش لبنان

كلمة الأستاذة هدى الخطيب شلق / ميّسرة الحوار

امّا بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على اندلاع الحروب في لبنان والاف القتلى والجرحى والتدمير الكبير على كافة الصعد، جرى التفاوض في الطائف بالمملكة العربية السعودية بين ممثلي الشعب اللبناني. حوار وتفاوض أثمر عن وثيقة الوفاق الوطني التي أنجزت لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية المستمرة منذ عقود، كما وضعت مسارا واضحا للانتقال والعبور من الحرب على كافة اشكاله الى بناء دولة مدنية حديثة. وُقِع الاتفاق في 22 تشرين الأول 1989 وصدق عليه البرلمان اللبناني في 5 تشرين الثاني 1989 بالإضافة الى الإجماعً البرلمانيً اللبنانيً نالت هذه الوثيقة دعما إقليميا ودوليا بارزا على الصعيدين القانوني والسياسي ذلك نتيجة مناخ إقليمي ودولي مؤاتٍ من دون أية مواجهات إقليمية وتجاذبات دولية حادة مما سهّل صياغتها وإقرارها ووّفر لها الدعم العربي والدولي المناسبين. فأقرّ مضمون الاتفاق مجلس الأمن الدولي في بيانيه في 7/11/1989 و 22/11/1989، واللذين أكّد فيهما دعمه لبنود هذا الاتفاق كافة الذي نجح في «تسوية للأزمة اللبنانية بكلّ جوانبها مع ضمان سيادة لبنان الكاملة واستقلاله وسلامة أراضيه والوحدة الوطنية فيه». كما أكّد مجلس الأمن كذلك على أن اتفاق الطائف «هو الدعم الأساسي والضمان لحرية واستقلال ووحدة لبنان». وبدوره دعم المجلس الأوروبي المعلن في 9/12/1989 تأكيده على تشبثه باتفاق الطائف وعبّر «عن اقتناعه بعدم وجود بديل وذلك في الظروف الحالية للعملية التي يرتئيها الاتفاق من أجل تحقيق الوفاق الوطني والسلام". كذلك حرص الدستور اللبناني على التزام ميثاقيْ الجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة، كما أكّد التزامه أحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كافّة وحرص على أن تجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء. بذلك تكون وثيقة الوفاق الوطني كما تعهّدتها اللجنة الثلاثية العربية (المغرب والجزائر والسعودية) قد شكلت الإطار السياسي والقانوني والذي وافقت عليه الدول العربية الأخرى كافة.
اما الأهم فإن المجلس النيابي اللبناني صدّق، في جلسته المنعقدة بتاريخ 5/11/1989، على هذا الاتفاق اي وثيقة الوفاق الوطني، من دون أي تحفّظ أو استثناء. وهذا يعني أن الاتفاق بكامله يكتسب صفة قانونية ملزمة، حتى البنود التي لم تدخل في الدستور. كما ان مقدمة هذا الدستور كرست القوة الدستورية لهذا الاتفاق بالتأكيد على ان «لا شرعية لأية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". اما اتفاق الطائف فقد جاء بعدما دفع اللبنانيون اثمانا باهظة من حروب وويلات المت بهذا الوطن. ولعل ما عزز بقاء هذا الوطن رغم كل تلك الاثمان الباهظة هو الأسس الميثاقية المبنية على تجارب تاريخية في مواجهة التحديات الداخلية والاقليمية والدولية والتي تبلورت منذ الميثاق الوطني العائد للعام 1943و المتمثلة في البيان الوزاري الأول الذي صدر في 8/11/1943, والذي قُدّم إلى المجلس النيابي اللبناني كـ «وثيقة استقلال". ومن الملفت انه بعد حوالي نصف قرن على هذا البيان الوزاري الأول، جاء اتفاق الطائف للعام 1989 ليؤكّد على تلك الأسس الميثاقية التي أوردها هذا الأخير أو حدّد مفاصلها الأساسية، وان كان قد تم تجاهل هذه الأسس او اسيئ استعمالها في الكثير من الأحيان.
فماذا بعد؟
ولماذا لم يطبق اتفاق الطائف؟
لقد جاء اتفاق الطائف كسلة متكاملة من الإصلاحات التي يمكنها ان تعبر بلبنان من كل ما حل به ماسي الى الاستقرار والانماء الاقتصادي والسياسي. اما في 17 تشرين 2019 فقد نزل اللبنانيون الى الساحات وهتفوا وحملوا كل الشعارات التي ينادي مضمونها بكل تلك الإصلاحات. عبر اللبنانيون بكافة تنوعهم عن ذلك بلغة الشعب الموجوع والمقهور. ولكن ما زال الحكام يتخاصمون ويتحاصون، والشعب يريد العيش الكريم والعدالة والانماء المتوازن والتنمية والمساواة والمشاركة في صنع المستقبل للأجيال القادمة، بعيدا عن الفقر والعوز والجهل والظلم والتهجير وتفريغ الوطن من طاقاته وادمغته وضرب مؤسساته وتفكيك اداراته.
اما الاستجابة لهذه المطالب فيمكن تنفيذها من خلال تطبيق ما ورد في وثيقة الوفاق الوطني وبشكل خاص عندما تطبق هذه الإصلاحات كسلة متكاملة تحقق هدفها في العبور من حالة الانقسامات وانهيار الدولة الى بناء دولة المواطنية.
واحدة من اهم الإصلاحات التي وردت في اتفاق الطائف والتي تتيح المجال لمشاركة المواطن في الانماء المتوازن العادل وكذلك الانصهار الوطني الذي يشكّل هدفًا أساسيًا لا يمكن تحقيقه من دون السماح لكل فرد ومجموعة المشاركة بالإدارة بشكل فعّال، هي اللامركزية الادارية التي تعطي أوسع الصلاحيات للمناطق، مع ابقائها ضمن الدولة الواحدة الموحدة بعيداً من أي منحى تقسيمي.
من جهة تعتبر اللامركزية كتنظيم إداري، واحداً من أهم مبادئ حكم الأكثرية التي تقوم عليها الديمقراطية. وتكتسب اللامركزيّة الإدارية أهميتها من انها تراعي خصوصيّة الحاجات المحلّية وتمايزها فتترك الحكومة المركزيّة قضية إدارة الشؤون المحليّة لهيئات منبثقة من الشعب في وحدات الإدارة المحلية، انطلاقا من ان أبناء هذه المناطق هم أدرى بحاجاتهم وأقدر على حلّ مشاكلهم من الموظفين الذين تعيّنهم الحكومة المركزية والذين يرتبطون بها مباشرةً، بتسلسل إداري هرمي قد يقارب الروتين الإداري في اغلب الأحيان.
تعتبر اللامركزية الادارية معبرًا نحو التنمية وتطوير الحياة الاقتصادية في المحافظات والأقضية، من تطوير السياحة والاقتصاد والزراعة وغيرها وتنمية المجتمع ونشر التوعية الاجتماعية، تطبيقا لمقدّمة الدستور اللبناني الذي ينصّ في الفقرة "ز" منه أنّ "الإنماء المتوازن ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام".
من جهة أخرى، فقد نصّت الفقرة "ط" من المقدمة، أنّ: "أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين (...) فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين". بموازاة هذه الفقرة، نصّت المادّة الأولى من الدستور على أنّ "لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة". بالتالي إنّ المشروع الذي يتمتّع بخلفية ميثاقية هو المشروع الذي يحافظ على وحدة الدولة بعيدًا من التقسيم، ويتجه إلى إدارة التنوّع ضمن الوحدة الوطنية. كما يحافظ على العيش المشترك فيأتي بالتالي متوافقًا مع الفقرة "ي" من مقدّمة الدستور التي رفعت الشرعية عن أي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.
وفي بند اللامركزية الإدارية حرصٌ المشرع على أن تحتفظ الدولة المركزية بحصرية الإمرة والصلاحية في مسائل عدة منها الدفاع والنقد والخارجية والعدل والتشريع كما تقوم بعملية التنظيم والتقنين والتوزيع العادل للموارد ضمن المجتمع، وتراقب وتعمل على تصحيح كل اعوجاج وعلى محاسبة كل انحراف.
وإذا كانت اللامركزيّة الإدارية تعطي فعلاً أوسع الصلاحيات للمناطق، ضمن الدولة الواحدة الموحدة بعيداً من أي منحى تقسيمي، فمشروع اللامركزية الادارية ينطلق من عدة نقاط أهمها:
- يستحدث مجالس منتخبة بالكامل مع إعطاؤها الاستقلال الإداري والتمويل والواردات اللازمة لعملها ويحصر الرقابة إلى أقصى حد ويجعلها لاحقة لا مسبقة.
- يبقي على البلديات كوحدات لامركزية أساسية ولا يمس بصلاحياتها أو بأموالها ويعتمد القضاء كمساحة لامركزية، نظراً الى شرعيته التاريخية والى تأمينه الحاجات التنموية.
- يستحدث صندوقاً لا مركزيا يحل محل الصندوق البلدي المستقل ويكون أعضاء مجلسه منتخبين ويعمل وفقاً لقواعد منهجية ولمعايير موضوعية تراعي ضرورة الإنماء المتوازن وتحفيز النمو المحلي.
لقد برزت المطالبة باللامركزية الإدارية في لبنان كعنوان إصلاحي منذ الستينيات، نتيجة الشكوى من تفاوت النمو الاقتصادي والاجتماعي بين المناطق، وخلال سنوات الحرب الأهلية ظهرت مطالب بتبني اللامركزية السياسية، عارضها مطلب آخر بتبني اللامركزية الإدارية كسبب لمنع تقسيم لبنان.
لكن وبالرغم من مرور نحو ثلاثة عقود على توقيع "وثيقة الوفاق الوطني"، لم تأخذ اللامركزية الإدارية طريقها نحو التطبيق، ومازالت موضع جدل وأخذ وردّ، بالرغم من ان اتفاق الطائف حرص على أن تكون هذه اللامركزية إدارية بحتة من دون أن تتوسّع إلى أي نطاق آخر. والواقع أن هذا البند الإصلاحي الأساسي ينعكس إيجابًا على تحديث الإدارة العامّة، اعتماد قانون انتخاب أكثر تمثيلًا وعلى تنفيذ سياسة إنمائية متوازنة. على الرغم من أن اللامركزية الإدارية كانت موضع دراسات ومقالات وكتب عديدة من قبل باحثين متخصّصين وناشطين في المجتمع المدني طوال السنوات الماضية، إلّا أن هذا الاصلاح لم يدخل حيّز التنفيذ لغاية اليوم. بموازاة هذه الدراسات، هناك عدّة مشاريع واقتراحات قوانين جرى تداولها بهذا الخصوص، إلا أنّ أيًا منها لم يسلك دربه إلى الإقرار. ولم يقترن الإصلاح السياسي والإداري في لبنان بتطبيق تشريعي، على الرغم من بروز عدد من مشاريع واقتراحات القوانين التي طرحت وجرى التداول بها منذ العام 1990 لم تستطع الحكومات اللبنانية المتعاقبة لغاية الساعة أن تعتمد أي قانون يراعي هذا التقسيم المطلوب والجامع بين اللاحصرية في صلاحية المحافظين واللامركزية في انتخاب مجالس أقضية. علما ان هذه اللامركزية هي إدارية بحتة من دون أن تتوسّع إلى أي مجال آخر.
اما بعد،
ورغم هذا الانهيار الكبير الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ لبنان وفي العديد من دول العالم، الم يحن الوقت للانتقال الى تطبيق اللامركزية الإدارية ولو بالياتها الأولية ومن ثم الانتقال الى مرحلة التقويم والتطوير بما يلبي مصلحة اللبنانيين. هذا مع اعادة التأكيد على ان اتفاق الطائف هو وثيقة وطنية متكاملة لا تثمر نتائجها الا بقدر تطبيقها كوحدة متكاملة. فهل اصبحت اللامركزية الإدارية من ضمن البنود الإصلاحية المؤجّلة والتعابير المستهلكة؟ وما هي أسباب التأخير في بت إصلاح اللامركزية الإدارية كلّ هذه الفترة؟ فهل المعوقات إدارية تنظيمية فقط أم هي سياسية لها علاقة بنظرة بعض اللبنانيين لموضوع اللامركزية الإدارية، اللّاحصرية وكذلك الفيديرالية، وربما أيضا بنظرة البعض لاتفاق الطائف برمته.
اللامركزية الإدارية هي بند أساسي من بنود وثيقة الوفاق الوطني. وهي مدخل هام لمشاركة المواطن بالإدارة بشكل فعال مما يعزز شعوره بالعدالة والانتماء والمساواة والانماء المتوازن والتنمية المستدامة وتعاونه ومشاركته وتفاعله مع أبناء وطنه دون تمييز على قاعدة الشفافية والمراقبة والمحاسبة في ظل دولة مدنية وحكم رشيد. ذلك ان كل ما زال الغبن عن المواطن كلما اتجه الى قبول الراي الاخر، الى التسامح وترسخت مواطنيته وانسانيته كما تقتضي بذلك رسالة لبنان وجوهره الحضاريّ.

ورقة عمل المحامي ربيع الشّاعر

مقدمة
إن اللامركزية الإدارية و المالية هي أحد تجسيدات الديمقراطية من أجل صحة التمثيل الشعبي وبلوغ الحد الأعلى من التنمية الاقتصادية والإجتماعية وتسهيل معاملات المواطنين وتمكين كل منطقة من الحصول على حصتها من الانفاق العام وإطلاق قدراتها لتضيف من خلال مبادراتها ما تستطيع إنتاجه من الموارد وتوفير المزيد من الوقت والتخفيف من الروتين الإداري. وعليه فإن اللامركزية الإدارية و المالية باتت تشكل شرطاً ضرورياً لتحقيق أيّ عملية إصلاح إداري جدّية وفعّالة. أما معايير اللامركزية الإدارية وكما يحددها العلم الإداري فتستند إلى سلطة محلّية منتخبة يحدّد القانون صلاحياتها على أن تتمتّع هذه السلطة بالشخصية المعنوية المستقلة عن شخصية الدولة على الرغم من أنها جزء منها. ومن الضروري أن يكون لهذه السلطة استقلالاً إدارياً ومالياً، أي امكانية إدارة أموالها وشؤونها دون الحاجة للعودة إلى السلطة المركزية إلا استثناءً على أن تحتفظ السلطة المركزية بحق الرقابة اللاحقة.
الإدارة المحليّة في لبنان
إن الإدارة المحليّة المنتخبة، المتمثّلة بالبلديات لا تستوفي جميع شروط اللامركزية الإدارية بمفهومها المعاصر. وهي بالتالي غير قادرة على لعب دورها الريادي بإطلاق عجلة الاقتصاد المحلّي والتنمية الاجتماعية تلبيةً لحاجات السكّان والهيئات الاقتصادية والاجتماعية ضمن إطارها الجغرافي. فالبلديات تشكو من صعوبة جباية الرسوم والقيود القانونية على الصلاحيّات وخضوع الانفاق للموافقة والرقابة المسبقة ومن انعدام الشفافية باحتساب المستحقات من الصندوق البلدي المستقل ناهيك عن صعوبة السداد إن لم نقل الاستحالة مما يشلّ جميع المبادرات التي تقوم بها. هذا عدا عن ندرة الموارد الماليّة لهذه البلديات التي وبحسب دراسة للمركز اللبناني للدراسات يعتبر 88% منها أن أولوية حاجاتها تكمن في زيادة هذه الموارد. ففي الدول المتقدمة تشكلل حصّة الضرائب المحليّة 60% من مجموع الواردات العامة للإدارات المحليّة بينما تنخفض نسبة مساهمات الدولة إلى 23% من مجموع هذه الواردات.
حلول الطائف
تداركاً لهذا الوضع، نصّت وثيقة الوفاق الوطني في باب الاصلاحات على اعتماد خطة إنمائية موحّدة شاملة للبلاد، وقادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها اقتصادياً واجتماعياً، وتعزيز موارد البلديات والبلديات الموحّدة واتحاد البلديات بالإمكانيات المالية اللازمة، كما نصّت على توسيع صلاحيات المحافظين والقائمقامين، وتمثيل جميع إدارات الدولة في المناطق الإدارية على أعلى مستوى ممكن تسهيلاً لخدمة المواطنين وتلبية لحاجاتهم محليّاً. وكذلك اعتماد اللامركزية الموسّعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون)، عن طريق انتخاب مجلس لكل قضاء يرأسه القائمقام، تأميناً للمشاركة المحليّة، هذا مع العلم أن أيّاً من هذه التدابير الاصلاحية لم تصدر في قوانين عن المجلس النيابي بعد.
مراكز الخلل في هذه الحلول
من الواضح أن طرح النواب في مؤتمر الطائف لم يكن موفقاً، إمّا عن تقصير وإمّا لغاية في نفس أهل النظام السياسي وهو مركزيٌ بامتياز. فاللامركزية الإدارية وكما ذكرنا سابقاً تشترط حُكماً ان تكون مجالس السلطات اللامركزية منتخبة من الشعب ولا تمثل إلاّ إرادته، فيبقى هو وحده الرقيب الأول والأخير عليها. لذلك وباقتراح وثيقة الوفاق الوطني تعيين قائمقامٍ على رأس مجلس القضاء المنتخب، تكون السلطة المركزية قد لجأت إلى حل اعتمدته فرنسا منذ 40 عاماً بالتحديد وعادت عنه سنة 1982 لصالح تطبيق مبدأ اللامركزية الإدارية عن طريق الاحتكام إلى الشعب كمصدرٍ وحيد للسلطات وانتخاب جميع رؤساء وأعضاء مجالس الأقضية والمحافظات لديها. لقد اجتزأت اصلاحات الطائف الحلول وابقت على لا حصرية مقنّعة وأغلب الظنّ أن النواب الذين وضعوا وثيقة الوفاق تحت ضغوط الأحداث آنذاك خافوا من فقدان سيطرتهم على السلطة لمصلحة الإرادة الشعبية، ولم تكن لهم رؤيا مستقبلية لمسائل الحكم. فمع اللامركزية الإدارية وبالتالي الاستقلالية المالية للبلديات، تمتلك النُخب التي تفرزها الانتخابات المحليّة سلاحاً شرعياً يحررها من هيمنة الإقطاع السياسي والنزعات الطائفية، ويُخضعها فقط للمحاسبة على أساس حُسن الإدارة ومعايير علمية مما يثير مخاوف التقليد السياسي والعائلي والطائفي من خروج المجتمع عن طاعته.
ومن المآخذ الأخرى على الحلول التي اعتمدها الطائف أنه أبقى على الغموض حول الصلاحيّات الماليّة للبلديات ولم يجزم بإعطائها الاستقلالية المالية من خلال منحها الحريّة في تحديد مطارح ومعدّلات بعض الضرائب المحليّة. كما أنه أبقى على اتحاد البلديات لتصبح اللامركزية الإدارية (إذا استطعنا تسميتها كذلك) على مستويات ثلاثة (البلدية – اتحاد البلديات – مجلس قضاء) في بلد صغير بمساحته الجغرافية ومحدود بموارده المالية مما ينذر بتشابك الصلاحيات وتعقيد الأمور في جباية الضرائب المحليّة وتوزيعها ويهدد بزيادة الكلفة على المواطن.
الدور الاقتصادي والاجتماعي للإدارات المحلية المنتخبة وأهمية استقلالها المالي
ينقسم الفكر السياسي الغربي إلى اتجاهات ثلاثة في موقفه من اللامركزية الإدارية والاستقلال المالي للسلطات اللامركزية:
- اليساريون الذين يحذّرون من الإفراط في اللامركزية الإدارية لدرجة الوصول إلى استقلالية واسعة للمناطق، تهدّد الوحدة الوطنية وتؤدي إلى تزايد الشرخ الاقتصادي والاجتماعي بين المناطق وتضرب مبدأ العدالة والمساواة بين جميع المواطنين.
- الليبراليون وهم يغالون بالمطالبة بلامركزية إدارية واسعة الصلاحيات كضمانة للمبادرة الفرديّة وللاقتصاد الحرّ وبالتالي للازدهار والتطوّر.
- أما الفئة الثالثة، ونحن نؤيدها، فتدعو إلى اختيار حلّ وسطي يؤمن لبلدٍ كلبنان اللامركزية الإدارية كأفعل وسيلة للتعبير عن رغبات مجموعة من الناس وتلبية حاجات منطقة معيّنة شرط أن تحتفظ الدولة بدورها في المراقبة والتنسيق وتوزيع الثروات من أجل بسط العدالة الاجتماعية بين الجميع.
لقد أعطى المرسوم الاشتراعي 118/1977 البلديات صلاحيات واسعة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية كأن تنشئ أو تدير عدداً من الأعمال أو المشاريع كالمتاحف والمدارس والمستشفيات العمومية والمؤسسات الاجتماعية والثقافية والاسواق العامة، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. ولكن المشترع اللبناني أعطى بيدٍ وأخذ باليد الأخرى من خلال فرضه الرقابة المسبقة ولو استثنائياً وعدم إعطائه الاستقلالية المالية لهذه البلديات. كما يمكن إضافة صلاحيات أخرى على هذه الاختصاصات منها صلاحيات القائمقام بعد إلغاء هذه الوظيفة وإنشاء وتطوير البنى التحتية، مروراً بانتاج الطاقة والمشاريع ذات الطبيعة الاقتصادية والشراكة بين القطاعين العام والخاص والتدريب المهني ووضع خطة انمائية للقضاءوتنظيم النقل العام والخاص ووضع التصاميم العائدة للقضاء والمخطط التوجيهي العام بالتعاون مع المديرية العامة للتنظيم المدني وبعد موافقة البلديات كل ضمن نطاقها.
أيُّ ضريبةٍ محليّة، ولماذا؟
السؤال المطروح: هل من المفضّل اعتماد النظام الفرنسي نفسه وإعطاء الإدارات المحليّة في لبنان الحق بجباية ضرائب محليّة يكون لها الاستقلالية بتحديد مطارحها ومعدلاتها؟
يختلف الجواب باختلاف الأهداف المرجوّة من هذه الضريبة المحليّة، فهل المطلوب الحدّ من الهدر وتشجيع الاستثمارات وبالتالي تفعيل الحركة الاقتصادية؟ أم أن المطلوب المساواة بين المواطنين المكلّفين دفع الضرائب واحترام حريتهم في اختيار مكان سكنهم؟
تختلف الإجابة أيضاً باختلاف المكلّفين بالضريبة المحليّة هل هم من الأفراد أو من الشركات؟ ووفق أي معايير؟ وهل يجب أن توضع الضريبة على الأبنية أم على الدخل أم على الاستهلاك؟
في المبدأ إن تمويل الجزء الأكبر من موازنات الإدارات المحليّة من خلال اللجوء إلى الضرائب المحليّة (ولو حصرت صلاحياتها بتحديد مطارح ومعدلات هذه الضرائب) هو عامل أساسي وضروري لتفعيل اللعبة الديمقراطية من خلال تحميل المجالس المُنتخبة مسؤولية سياساتها أمام الرأي العام المحلّي. إذ أنه في كلّ مرّة يقرر هؤلاء رفع نسبة هذه الضرائب، يكونون ملزمين بأن يعلّلوا وبشكل واضح وشفّاف الاسباب التي تدفعهم إلى ذلك تحت طائلة المحاسبة في الانتخابات المقبلة. وبالتالي نكون قد حدّينا من تضخم النفقات العامة غير الضرورية أو تلك التي ينعدم التوافق التام حولها.
كما تصبح المجالس المنتخبة ملزمة بالمخاطرة بشكل موزون في مشاريعها الإنمائية، فإذا نجحت هذه المشاريع تموّل ذاتها بذاتِها ويرتد صداها إيجاباً على الناس. أمّا إذا فشلت فيتم اللجوء حينذاك إلى رفع الضرائب وبالتالي خطر المحاسبة من جديد أمام الناخبين.
إذاً في اعتماد الضريبة المحليّة وقعٌ كبير على طريقة إدارة الإدارات المحلية واتخاذ القرارات فيها. وهذا غير متوفر حين تعتمد هذه الأخيرة في موازنتها وإدارتها على المساعدات والرقابة المركزية. في حال استقر الرأي على اعتماد مبدأ الضريبة المحليّة، من الضروري أن يحدد المشترع الضريبة ونوعيتها ومعدلاتها القصوى وذلك بقانون يراعي العدالة الاجتماعية قدر المستطاع.
يمكن ان تعتمد واردات السلطات اللامركزية على ما يلي:
- الرسوم (تراخيص، سجل عقاري...)
- الضرائب ( الأملاك المبنية وغير المبنية، ضريبة الدخل، ضريبة على الربح العقاري، الاشتراكات على القيمة المضافة للشركات، الضريبة المقطوعة على الشركات، الضريبة على رفع النفايات...)
- إيرادات الأملاك العامة والخاصة أو مداخيل الاستثمارات
- علاوات اشتراك واستهلاك المياه والكهرباء والهاتف
- الهبات والوصايا والغرامات
- الصندوق اللامركزي

الإنماء المتوازن من مسؤولية الدولة بالتوافق مع الجميع
إن مبدأ الإنماء المتوازن يرتكز عل إعادة توزيع الثروات بشكل عادل وضبط المالية العامة. فإذا كانت اللامركزية الإدارية هي ترك خيار إدارة الشؤون المناطقية لمجالس منتخبة وخضوعها لرقابة الناخبين – المكلّفين وضرورة تمتعها باستقلالية مالية وموارد، فإن هذه الإدارات المحليّة لا تملك جميعها الموارد الكافية لتلبية حاجاتها. وهنا يبرز دور المجلس النيابي والدولة لسدّ هذا العجز وتأمين العدالة والمساواة في الإنماء.
من هنا أيضاً تنشأ الضرورة لوضع معايير علمية تأخذ بعين الاعتبار هذه الحاجات الاقتصادية والاجتماعية ومنها مثلاً مقارنة معدلات النمو الاقتصادي لهذه المناطق والدخل الفردي فيها والبطالة والتطور والإنتاج والأبحاث إذا أمكن والفقر وخصوصيات ونقاط ضعف كلّ منها والمواصلات والكثافة والخدمات...
وهذه العدالة الإنمائية يضمنها عامودياً "مجلس القضاء" بين البلديات التي يتألف منها. أما أفقياً، فالإنماء المتوازن بين جميع الأقضية، وكما ذكرنا، يبقى من مسؤولية الدولة. ويمكن ان يتم ذلك من خلال إنشاء صندوق يموّل من موازنات الأقضية بالنسبة للمشاريع المشتركة فيما بينها ومن قبل الدولة عن طريق مساهمات تدفع للأقضية والبلديات.


بناء على ما تقدم نسوق الاقتراحات التالية:
1. عدم الخلط بين الفدرالية واللامركزية واللاحصرية
2. حصر دور الدولة بواجباتها الأساسية ومن ضمنها تأمين الانسجام الوطني والإنماء المتوازن بين مختلف المناطق.
3. تعزيز دور السلطة المركزية من خلال:
• إنشاء وزارة مستقلة للمجالس المحلية والتنمية الإدارية.
• إنشاء وزارة للتخطيط أو مجلس للإنماء المتوازن مهمته التخطيط والمساعدة على ابتكار طرق جديدة لتمويل المشاريع بين القطاع العام والخاص وتحديد الوظيفة الاقتصادية لكل قضاء من خلال وضع استرتيجية تحددها الدولة بالتوافق مع الإدارات المحليّة والمجتمع المدني بشكل لا تتنافس فيه الأقضية فيما بينها بل تتكامل.
• تفعيل الحكومة الالكترونية والحوكمة ومكافحة الفساد
• تفعيل قانون الشراء العام
• تفعيل المديرية العامة للاحصاءات
• إنشاء هيئة إشراف مستقلة على الانتخابات
• تعديل النظام الضرائبي وتفعيل الجباية
• تفعيل إعداد الموظفين وتدريبهم
• تفعيل المجلس الأعلى للشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص
• إنشاء المحاكم الادارية في الأقضية
4. تنظيم وتوزيع المرافق والخدمات العامة للدولة (لاحصريّة واسعة) بشكل عادل بين كافة الاقضية وإلغاء منصب القائمقام وتعزيز دور المحافظ.
5. اعتماد لامركزية إدارية واسعة على مستويين: البلديات ومجالس الأقضية (المجالس المحلية) على أن تكون منتخبة بالكامل.
6. إجراء تقسيمات إدارية على أساس معطيات اقتصادية اجتماعية وديموغرافية.
7. اعتماد القضاء (بعد إجراء التقسيمات) كمحور ومعيار للإنماء المناطقي المتوازن.
8. إنشاء وظيفة عامة محلية منفصلة عن الوظيفة العامة للسلطة المركزية تكون تحت إشراف المجالس المحلية المنتخبة.
9. إنشاء جهاز شرطة مهمته حفظ الأمن على مستوى القضاء.
10. إعادة النظر في قانون انتخاب المجالس المحلية من خلال:
• انتخاب رئيس البلدية ونائبه مباشرة من الشعب على أن تفوز اللائحة المتقدمة بالأصوات بأكثرية المقاعد وتوزع المقاعد الأخرى نسبياً بين اللوائح الأخرى بما يضمن حسن سير العمل اللامركزي والمحاسبة في آن واحد.
• إعادة النظر في قانون الانتخاب على النحو الذي يتيح للناخبين الاقتراع بحسب مكان إقامتهم.
• تقصير ولاية المجالس المحلية المنتخبة الى أربع سنوات.
• يمكن للمجلس المحلي المستقيل تصريف الأعمال بانتظار إجراء انتخابات جديدة.
11. إضافة صلاحيات أخرى على اختصاصات المجالس المحلية منها صلاحيات القائمقام بعد إلغاء هذه الوظيفة وإنشاء وتطوير البنى التحتية، مروراً بانتاج الطاقة والمشاريع ذات الطبيعة الاقتصادية والشراكة بين القطاعين العام والخاص والتدريب المهني ووضع خطة انمائية للقضاءوتنظيم النقل العام والخاص ووضع التصاميم العائدة للقضاء والمخطط التوجيهي العام بالتعاون مع المديرية العامة للتنظيم المدني وبعد موافقة البلديات كل ضمن نطاقها.
12. تعديل الصلاحيات المالية والادارية للمجالس المحلية المنتخبة:
• تعديل الدستور والقوانين المرعية الاجراء لتفادي الازدواج الضريبي بين الضريبة الوطنية العامة والضريبة المحلية على أن يُترك للإدارات المحليّة حرية تحديد مطارحها ومعدلاتها وعلى ألاّ تتجاوز نسباً معيّنة وأن تكون موزعة بين الضرائب على الدخل والقيمة المضافة والأملاك المبنيّة.
• زيادة معدلات 25 رسماً بلدياً.
• السماح للمجالس المحلية باقتراض الأموال من القطاع الخاص.
• اعتماد آلية لإعداد الموازنات تستند الى تقييم الأداء.
• تطوير نظام محاسبة موحد وتعميمه على جميع المجالس المحلية.
13. إلغاء الوصاية والرقابة الإدارية المسبقة واعتماد الرقابة اللاحقة التي تضمن للمجالس المحلية المنتخبة حريّة المبادرة إن من خلال التعاقد الإداري أو من خلال عدم التقيّد بسقف مالي للإنفاق شرط تطوير وتحديث مواد القانون الإداري بشقه المتعلق بالعقود الإدارية والمشاريع العامة والصفقات وإنشاء فروع محلية لديوان المحاسبة العامة Cours Régionales des Comptes في الأقضية لضمان الشفافية وللحدّ من الفساد والتفريط بالمصلحة العامة.
14. تعزيز الشراكة بين السلطة المركزية والمجالس المحلية المنتخبة من خلال:
• مساهمة الدولة في واردات الإدارات المحلية على أساس مؤشرات علمية مراعاةً للإنماء المتوازن، على أن تخضع سنوياً لمناقشة المجلس النيابي.
• تعريف الحاجات وتحديد الأهداف وأولوية تنفيذها وواجبات كل طرف عبر عقود زمنية تجمع بين الدولة من جهة والإدارات المحليّة من جهة ثانية.
• عقد مؤتمر سنوي للإدارات المحلية لتقييم التجارب المختلفة وللتنسيق والتخطيط.
• ضرورة وضع تقرير دوري كل ثلاث سنوات يحلّل ويراقب وضع الإنماء المتوازن واللامركزية الإدارية، يقدم إلى مجلس النواب لدراسته وإصدار التشريعات المناسبة إذا لزم الأمر.
15. اعتماد لامركزية مرفقية الى جانب اللامركزية الجغرافية.

إن تحقيق الغاية المرجوة من اعتماد اللامركزية الإدارية بشقها الاقتصادي – المالي لا يمكن أن يتم إلا في إطار عملية اصلاحية متكاملة سياسياً واقتصادياً وإدارياً وقضائياً. فالاصلاح كلٌّ متكامل يحقّقه التلاقي بين الإرادتين السياسية والشعبية .
__________________________ لائحة غير شاملة بالقوانين والمراسيم الأساسية التي يجب تعديلها والمتعلقة مباشرة بصلاحيات المجالس المحلية والمنتخبة الإدارية والمالية:
1- المرسوم الاشتراعي 118/1977
2- المرسوم الاشتراعي 82/1983
3- المرسوم الاشتراعي 50/1967
4- المرسوم الاشتراعي 115/1959
5- المرسوم الاشتراعي 2460/1959
6- القانون 360/2001
7- القانون 60/1992
8- القانون 60/1988
9- المرسوم 114/1959
10- المرسوم 14969/1963
11- المرسوم 3489/1965
12- المرسوم 1917/1979
13- المرسوم 5595/1982
14- المرسوم 8485/1996
15- المرسوم 10388/1997
16- المرسوم 4082/2000
17- المرسوم 379/2001

اللقاء الثالث 14-12-2022

“لبنان الميثاقيّ في نِظام المجلِسَين: حقيقة الحقوق ومعنى الضمانات”

لمحات من اللّقاء الثالث من مسار الحوارات الصّباحيّة “لبنان الميثاقيّ في نِظام المجلِسَين: حقيقة الحقوق ومعنى الضمانات”.

لمشاهدة الحلقة كاملة

اللقاء الثالث من مسار “الحوارات الصباحية” الشهرية أتى تحت عنوان “لبنان الميثاقيّ في نِظام المجلِسَين: حقيقة الحقوق ومعنى الضمانات”.

في بداية اللقاء الذي نقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّة بالملتقى، كان النشيد الوطني اللبناني، وبعده وثائقي تعريفي عن الملتقى تحت عنوان”عشر سنوات، القضيَّة لبنان والإنسان“، ومن ثمَّ وثائقي عن اللّقاء الثاني من الحوارات تحت عنوان: “اللَّامركزيَّة الإداريَّة الموسَّعة: الإنماء المتوازن والعيش معًا“.

بيان صحفي

 

“ملتقى التأثير المدني” في لقائه الثالث من “الحوارات الصباحية”

“لبنان الميثاقيّ في نِظام المجلِسَين: حقيقة الحقوق ومعنى الضمانات”

الزّين: لبنان يتعرض لجريمة منظّمة وعلينا تصويب البُوْصلة

الصَّائغ: نِظام المجلِسَين يحمي مُعادلة ذهبيّة في دستور لبنان المدنيّ

مسرّة: مجلس الشيوخ هو التجسيد للقيم الروحية المشتركة في لبنان

 

 نظّم ملتقى التأثير المدني قبل ظهر اليوم اللقاء الثالث والاخير لهذا العام من مسار “الحوارات الصباحية” الشهرية في فندق الجفينور – روتانا الحمرا تحت عنوان “لبنان الميثاقيّ في نِظام المجلِسَين: حقيقة الحقوق ومعنى الضمانات”. في حضور نخبة من الشخصيات الأكاديمية والادارية والقانونية والدستورية والثقافية وناشطاتٍ وناشطين في المجتمع المدني ورئيس وأعضاء الملتقى.

وقائع اللقاء

في بداية اللقاء الذي نقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّة بالملتقى، كان النشيد الوطني اللبناني، وبعده وثائقي تعريفي عن الملتقى تحت عنوان”عشر سنوات، القضيَّة لبنان والإنسان”، ومن ثمَّ وثائقي عن اللّقاء الثاني من الحوارات تحت عنوان: “اللَّامركزيَّة الإداريَّة الموسَّعة: الإنماء المتوازن والعيش معًا”.

كلمة الزين

بعدها كانت كلمة عضو مجلس إدارة الملتقى السيّد يوسف الزّين الذي لفت إلى أنّ الملتقى قد آل على نفسه “الانكِباب على مُعالجة مسبِّبات الأزمة، لا عوارِضِها، فلبنان دولةً وشعبًا يتعرَّضُ لجريمة منظّمة، ما يستدعي منَّا المُساهمة في تصويب البُوْصلة لإنقاذه من هذا المستنقع الجُهَنَّمي، وافتتاح مسار بناءِ سياساتٍ عامَّة تُطبّقها الحوكمة الرّشيدة”.

وقال نطلّ اليوم على “إصلاحٍ مؤسِّس في تحديد مفهوم حقوق المواطنات والمواطنين اللّبنانيّين من ناحيَة، والضمانات للجماعات المكوِّنة للمجتمع اللّبناني ضمن صيغة عيش معًا تحترم التنوّع من ناحيَةٍ أخرى، وهو نِظام المجلِسَين أي مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ، عسى نَغوص فيه لخدمة القضيّة اللُّبنانيّة والإنسان، فتعود العقلانيّة والحكمة والصّلابة والنّزاهة رأس حربة لِقيام دولة المواطنة، دولة الحقّ والعدل.”

كلمة الصّائغ ميسّر الحِوار

ومن ثمّ كانت كلمة ميسّر الحِوار المدير التَّنفيذي للملتقى زياد الصَّائغ الذي لفت في بداية كلمته الى “مفاهيم ملتَبِسة أخضَعَت من خِلالها الدُّستور لعمليَّة تضليل منهجيَّة إلى حدِّ الانقِلاب وتشتيت الدَّولة”. وقال إنّ ” لبنان دولةٌ ذات نِظامٍ برلمانيّ في جمهوريَّةٍ ديموقراطيّة توافُقيّة بالمعنى العلميّ الدستوريّ” مع موجِب “فصل السُّلُطات لكنْ مع تعاونها خِدْمَةً للخير العامّ” وهو في “صُلْب الإصلاحات البنيويّة التي أقرّها اتّفاق الطّائف، وورد بِشَكلٍ متميّز في “نِظام المجلِسَين حيثُ مجلِسُ نوّابٍ ومجلِس شيوخ” منذ قيام دولة لبنان الكبير في دستور 1926.

  وأضاف: “أنَّ نِظام المجلِسَين يحمي مُعادلة ذهبيّة في دستور لبنان المدنيّ، وهي “الحقوق للمواطنات والمواطنين” و “الضمانات للعائلات الرُّوحيّة”. هذه المُعادلة الذهبيّة تمَّ انتهاكها مُنْذُ إطلاقِها. واستطرد الصّائغ “لقد حَكمَ لُبْنان في العَقْد الأخير حديثٌ عن “حقوق الطّوائف” إلى حدِّ اغتيال “الحقوق للمواطنات والمواطنين”. وهُنا “كانت جريمةً موصوفة تعطيلُ المضيّ قُدُمًا في تطبيق المادّة 95 من الدُّستور لِقيام دولة المواطنة”. ربطًا “بانتِخاب مجلس نوّاب خارج القيد الطّائفيّ، وقِيام مجلس شيوخ يُحاكي هواجس العائِلات الرُّوحيّة، مع اللّامركزيّة الإداريّة الموسّعة، وحصريّة امتِلاك المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة الشرعيّة وحدها السّلاح وحقّ استعمال العُنْف مع قرار السِّلْم والحرب، إلى الحِياد الإيجابيّ الذي يُشكّل في السّياسة الخارجيّة نواة الصّيغة الميثاقيّة لدولة لبنان الكبير”. وحذَّر الصائغ من “الجريمة الموصوفة” التي تبدّت في “شلّ كُلّ مساراتِ تطبيق الدُّستور عن سابق تصوُّر وتصميم”. وبالتّالي “تحويلُ لُبْنان إلى فوضى تتحكّم بها أوليغارشيّة تسطو على الدُّستور باجتِهاداتٍ فضفاضة تصِل حدّ تكريس أعراف تنقّل الدّيموقراطيّة التّوافقيّة النّبيلة باسمِ الميثاقيّة إلى نِظام الفيتوات المتبادلة”. وانتهى الصائغ ليقول: “ليس فيه لبنان أيّ أزمة نِظام أو دستور، بل أزمة انقِضاضٍ على النّظام والدّستور”. تُراودنا إشكالاتٌ وإشكاليّات للعَوْدة إلى الحقائق التي قام عليها دستورُنا، بما يُنْهي استِغلاله الخبيث وظائفيًّا لضرب العقد الاجتماعيّ بين اللّبنانيّين.

  ورقة عمل مسرّة

وبعدها قدم البروفسّور أنطوان مسرّة “ورقة العمل” الأساسيّة تحت عنوان: “أي مجلس نيابي؟ أي مجلس شيوخ؟ لأي لبنان؟” واستهلها بالإشارة إلى أنّهلا جدوى من أي اقتراح أو تعديل دستوري إذا كان الدستور أساسًا معلّقًا وغير مطبّق ومُخترق يوميًا”. ولذلك قال ان الطروحات والمداولات والسجالات حول المنظومة الدستورية اللبنانية الجارية تشكل طمسًا لمعضلة الدولة في لبنان التي تتلخص بان “تتمتع الدولة اللبنانية بالمواصفات الأربعة المسماة ملكية وهي: “إحتكار القوّة المنظمة والعلاقات الديبلوماسية، فرض جباية الضرائب وإدارة السياسات العامة. والاخطر ان كان الدستور اللبناني، في نصّه وروحيّته، مُعلّق وغير مُطبّق ومُخترق يوميًا، بخاصة من خلال تأليف حكومات برلمانات مصغّرة، مما يخرق مبدأ الفصل بين السلطات”.

وقال مسرة: ” يتوجب في مُجمل ما يتعلق بالطوائف الانطلاق من تشكيل الهيئة الوطنية لوضع خطة مرحلية في تخطي “الطائفية” (المادة 95 من الدستور). اما معالجة الموضوع “بالقطعة” فهو اختزال واجتزاء للطابع الشمولي والمتعدد الجوانب حول تطوير النظام الدستوري اللبناني” فوثيقة الوفاق الوطني – الطائف توجب التمييز في بنودها بين ” الثوابت الدستورية التي وردت في معظمها في مقدمة الدستور”، من جهة و” الشؤون التنظيمية، كقانون الانتخاب، اللامركزية، مجلس الشيوخ…”.

واعتبر مسرة: أنّ “مجلس الشيوخ هو التجسيد للقيم الروحية المشتركة في لبنان والتي لها دور بارز ترسيخ الوحدة الوطنية وحماية السلم الأهلي. وبعدما رفض “انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ من خلال انتخابات عامة، لئلا يشكل “قمّة التطييف لأنه يحمل كل ناخب إلى انتخاب عضو من طائفته مما يؤدي إلى فرز مُصطنع في العائلة الواحدة “، اقترح تعيينهم من”قبل هيئة ناخبة مُصغّرة من قبل الهيئات الرسمية للطوائف”، واستنادًا الى “معايير يتوجب التقيّد بها بشكل صارم في الاختصاص والخبرة “.

وبعدما اعتبر مسرَّة “أنَّ مجلس الشيوخ اللبناني ليس غرفة ثانية، بل هيئة مساندة وليس لها صفة تشريعية” مخافة “تطييف كل القضايا بدون استثناء كالضرائب والتنظيم المدني، وأسعار السلع الاستهلاكية والإدارة”. عدد بعض المواصفات فقال انه “لا يتوجب أن يكون أعضاء مجلس الشيوخ متفرغين ولا يتقاضون تعويضات ثابتة” يجتمعون ” في سبيل التخطيط الدائم لمجتمع الدولة الضامنة للعيش المشترك والسيادة الوطنية والثقافة الجامعة وحماية الثوابت والدفاع عن رسالته العربية والدولية” وانه “من الأفضل أن تكون رئاسة المجلس واغلبية أعضاء مكتبه من الطوائف الصغرى منعا لاي مآذارة او طغيان فئوي”.

وانتقد مسرَّة بقوة “اقتراح القانون المطروح حول مجلس الشيوخ” وتوقف أمام العديد من النقاط المرفوضة محذرا من مخاطرها معتبرا أنّه ينم “عن التجاهل التام لطبيعة التعددية في المجتمع اللبناني التي هي تعددية متداخلة” ويشكل خروجا على “الفلسفة التأسيسية في لبنان للهيئة الانتخابية الموحّدة ويؤدي الى “فرز الناس بشكل مصطنع والى تطييف السلوك الانتخابي”. ولمّا رفض بأن يكون “جزءًا من السلطة التشريعية أو تعبيرا عن “النظام السياسي الطائفي”، اعتبر ان “القضايا المصيرية” لا تعني ولا تشمل بالضرورة صلاحية تشريعية” .وان هذا التوصيف يتنافى مع “مضمون الدستور اللبناني، نصًّا وروحًا، لأن النظام الدستوري اللبناني ليس “طائفيًا”، بل تم ويتم تطييفه، تغطية للزبائنية، وخلافًا لمضمون المادتين 12 و 95 من الدستور”.

واعتبر مسرّة “أنّ دور الطوائف في الكيان الدستوري والمؤسساتي للدولة اللبنانية – خلافًا لما ورد في الأسباب الموجبة – هو محقّق في الدستور الحالي في حال حسن تطبيقه نصًّا وروحًا. والنص الأبرز هو “المادة 19 حول حق رؤساء الطوائف في مراجعة المجلس الدستوري. وان عبارة “النظام التوافقي”  اجترار لشعار متداول في لبنان وخلافًا لما ورد في وصف النظام الدستوري اللبناني في مقدمة الدستور وكل تفاصيله تجنبًا “لاستغلال التباينات المذهبية في التنافس السياسي”.

وانتهى مسرة إلى القول ان اقتراح القانون في صيغته المقترحة “يُشكل أخطر مسار في تطييف كل المنظومة الدستوريّة اللبنانية، وفرزًا مصطنعًا للمواطنين، وتكريسًا للانقسامات النابعة أساسًا من التعبئة النزاعية وليس من عمق المجتمع اللبناني”.

نقاش عام وحوار

بعدها كان نقاش بين المنتدين والمشاركات والمشاركين.

 

ملتقى التأثير المدني

المكتب الإعلامي

بيروت 14 كانون الاول 2022

كلمة عضو مجلس إدارة ملتقى التأثير المدني السيّد يوسف الزَّين

السيّدات والسّادة،

  ها نحنُ وإيّاكُم نلتقي مرَّة جديدة في اللّقاء الثّالث من مسار “الحوارات الصّباحيّة” تحت عنوان: “لبنان الميثاقيّ في نِظام المجلِسَين: حقيقة الحقوق ومعنى الضمانات”، وقد آلَيْنا على أنفُسُنا في “ملتقى التأثير المدني” العَوْدة إلى وثيقة الوفاق الوطنيّ (إتّفاق الطّائف) ببنودها الإصلاحيّة كي نستعيد معًا خيار تطبيق الدّستور نصًّا وروحًا، لِبناء دولة المواطنة الحرّة السيّدة العادلة المستقلّة، دولة العَيش معًا.

  الهموم الماليّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، تفرُض ذاتَها على يوميّاتنا وهمومنا حتَّى إنَّنا أصبحنا أسراها، لكنّنا في “ملتقى التأثير المدني”، ومع اعتِرافِنا بتفوّق هذه الهُموم، فقد أخَذْنا على عاتِقِنا الانكِباب على مُعالجة مسبِّبات الأزمة، لا عوارِضِها، فلبنان دولةً وشعبًا يتعرَّضُ لجريمة منظّمة، ما يستدعي منَّا المُساهمة في تصويب البُوْصلة لإنقاذه من هذا المستنقع الجُهَنَّمي، وافتتاح مسار بناءِ سياساتٍ عامَّة تُطبّقها الحوكمة الرّشيدة، وهذا يقع في صُلْب هدف ورسالة “ملتقى التأثير المدني”، فنحنُ في لحظةٍ تاريخيّة دقيقة لا تفيدُ فيها الحُلول الرّماديّة، مع الاعتِراف بتعقيدات المواجهة.

السيّدات والسّادة،

مسار “الحوارات الصّباحيّة” مُنْطَلَقُ فِكرٍ تغييريّ إصلاحيّ لِفعلٍ تغييريّ إصلاحيّ، ففيما اخترنا التّفكير العملانيّ المُعمّق في الإصلاحات البنيويّة، وبعد أن أطللنا في اللّقاء الأوّل على “المادّة 95 من الدّستور” آفاقًا وتعطيلًا، واللّقاء الثّاني على “اللاّمركزيّة الإداريّة الموسّعة: الإنماء المتوازن والعيش معا” نُطِلّ اليوم على إصلاحٍ مؤسِّس في تحديد مفهوم حقوق المواطنات والمواطنين اللّبنانيّين من ناحيَة، والضمانات للجماعات المكوِّنة للمجتمع اللّبناني ضمن صيغة عيش معًا تحترم التنوّع من ناحيَةٍ أخرى، وهو نِظام المجلِسَين أي مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ، عسى نَغوص فيه لخدمة القضيّة اللُّبنانيّة والإنسان، فتعود العقلانيّة والحكمة والصّلابة والنّزاهة رأس حربة لِقيام دولة المواطنة، دولة الحقّ والعدل.

هذا عهدٌ علينا ووعد.

كلمة زياد الصّائغ / ميّسر الحوار

مفاهيم ملتَبِسة أخضَعَت ماكينات تشويهٍ من خِلالها الدُّستور لعمليَّة تضليل منهجيَّة إلى حدِّ الانقِلاب وتشتيت الدَّولة. لبنان دولةٌ ذات نِظامٍ برلمانيّ في جمهوريَّةٍ ديموقراطيّة توافُقيّة (بالمعنى العلميّ الدستوريّ) مع موجِب فصل السُّلُطات لكنْ مع تعاونها خِدْمَةً للخير العامّ. في صُلْب الإصلاحات البنيويّة التي أقرّها اتّفاق الطّائف، ورد بِشَكلٍ متميّز نِظام المجلِسَين حيثُ مجلِسُ نوّابٍ ومجلِس شيوخ.

  لِلْوَهْلَةِ الأولى يُخيَّل للبَعْض أنّنا أمام توزّعٍ موسّعٍ للحُصَص الطّائفيّة والمذهبيّة، فيما أنَّ نِظام المجلِسَين يحمي مُعادلة ذهبيّة في دستور لبنان المدنيّ، وهي “الحقوق للمواطنات والمواطنين” و “الضمانات للعائلات الرُّوحيّة”. هذه المُعادلة الذهبيّة تمَّ انتهاكها مُنْذُ إطلاقِها. تحوّل النِّظام السّياسيّ في لُبْنان مِطواعًا لزبائنيّةٍ بَلَغت حدّ استِشراء الفساد، ولطائفيّة / مذهبيّة مسيَّسة مع سياسةٍ مطيّفة / مُمَذهبة، رَهَنَت لبنان لمحاوِر لا علاقة له بأجندتِها. حَكمَ لُبْنان في العَقْد الأخير حديثٌ عن “حقوق الطّوائف” إلى حدِّ اغتيال “الحقوق للمواطنات والمواطنين”. هُنا كانت جريمةً موصوفة تعطيلُ المضيّ قُدُمًا في تطبيق المادّة 95 من الدُّستور لِقيام دولة المواطنة، ربطًا بانتِخاب مجلس نوّاب خارج القيد الطّائفيّ، وقِيام مجلس شيوخ يُحاكي هواجس العائِلات الرُّوحيّة، مع اللّامركزيّة الإداريّة الموسّعة، وحصريّة امتِلاك المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة الشرعيّة وحدها السّلاح وحقّ استعمال العُنْف مع قرار السِّلْم والحرب، إلى الحِياد الإيجابيّ الذي يُشكّل في السّياسة الخارجيّة نواة الصّيغة الميثاقيّة لدولة لبنان الكبير. الجريمة الموصوفة تبدّت في شلّ كُلّ مساراتِ تطبيق الدُّستور عن سابق تصوُّر وتصميم، وبالتّالي تحويلُ لُبْنان إلى فوضى تتحكّم بها أوليغارشيّة تسطو على الدُّستور باجتِهاداتٍ فضفاضة تصِل حدّ تكريس أعراف تنقّل الدّيموقراطيّة التّوافقيّة النّبيلة باسمِ الميثاقيّة إلى نِظام الفيتوات المتبادلة. الحقوق هي للأفراد أمَّا الضمانات فهي للجماعات، وهُنا تحدّي مواجهة من شوّه هذه المُعادلة.

 في هذا السّياق المأزوم، والذي ليس فيهِ أيّ أزمة نِظام أو دستور، بل أزمة انقِضاضٍ على النّظام والدّستور، وهُنا بيتُ القصيد تُرانا اليَوْم نلتقي لنتباحث في “لبنان الميثاقيّ في نِظام المجلِسَين: حقيقة الحقوق ومعنى الضمانات”، تُراودنا إشكالاتٌ وإشكاليّات للعَوْدة إلى الحقائق التي قام علينا دستورُنا، بما يُنْهي استِغلاله الخبيث وظائفيًّا لضرب العقد الاجتماعيّ بين اللّبنانيّين. ألم يحن موعد تنقيةُ الميثاقيّة، وإحياء الدّيموقراطيّة، وصَوْن التعدُّديّة بحَوْكَمَة سليمة؟

  أي مجلس نيابي وأي مجلس شيوخ؟ لأي لبنان؟ نُصْغي إلى البروفسّور أنطوان مسرّة فلكُم الكلمة.

ورقة عمل البروفسور أنطوان مسرَّة

ليس مجلس الشيوخ غرفة برلمانية ثانية: كيف ولماذا؟

  1. لا جدوى من أي اقتراح أو تعديل دستوري اذا كان الدستور أساسًا معلّقًا وغير مطبّق ومُخترق يوميًا. تُشكل بالتالي الطروحات والمداولات والسجالات حول المنظومة الدستورية اللبنانية طمسًا لمعضلة الدولة في لبنان التي تتلخص في مسألتين:
  • وجوب تمتع الدولة اللبنانية بالمواصفات الأربعة المسماة ملكية وهي:

        احتكار القوّة المنظمة،

        احتكار العلاقات الدبلوماسية،

        فرض وجباية الضرائب،

        إدارة السياسات العامة.

  • الدستور اللبناني، في نصّه وروحيّته، مُعلّق وغير مُطبّق ومُخترق يوميًا، بخاصة من خلال تأليف حكومات برلمانات مصغّرة، مما يخرق مبدأ الفصل بين السلطات. الحكومة موصوفة قصدًا في الدستور اللبناني “بالإجرائيّة”. والحكومات في لبنان تُمثل “الطوائف”، كما هو وارد في المادة 95، وليس قوى سياسية ولا “أحجام”…! وليس للحكومات عالميًا صفة تمثيلية بالمعنى الانتخابي.
  1. يتوجب في مُجمل ما يتعلق بالطوائف الانطلاق من تشكيل الهيئة الوطنية لوضع خطة مرحلية في تخطي “الطائفية” (المادة 95 من الدستور). اما معالجة الموضوع “بالقطعة” فهو اختزال واجتزاء للطابع الشمولي والمتعدد الجوانب حول تطوير النظام الدستوري اللبناني.
  2. توجب وثيقة الوفاق الوطني-الطائف التمييز في بنودها بين اثنين:

        – الثوابت الدستورية التي وردت في معظمها في مقدمة الدستور اللبناني.

        – الشؤون التنظيمية: قانون الانتخاب، اللامركزية، مجلس الشيوخ… التي يتوجب العمل بها استنادًا الى ظروف المكان والزمان والتحوّلات، كما “مقاصد الشريعة” وليس حرفية الشريعة.

 

  1. مجلس الشيوخ هو التجسيد للقمم الروحية المشتركة في لبنان والتي لها دور بارز في كل تاريخ لبنان، بخاصة خلال 1975-1990، في ترسيخ الوحدة الوطنية وحماية السلم الأهلي.

        يُشكل البيان الصادر عن رؤساء الطوائف الإسلامية والمسيحية في 28/1/2021 نموذجًا لدور أي مجلس شيوخ في لبنان (“رؤساء الطوائف: ما عاد السكوت ممكنًا ولتؤلف حكومة “مهمة” تجاوز المحاصصات”، النهار، 28/1/2021).

  1. من أبرز مخاطر معالجة تخطي الطائفية “بالقطعة” وخارج الهيئة الوطنية الواردة في المادة 95 من الدستور اللبناني مزيد من تطييف النظام.

        يتطلب تكوين وتنظيم مجلس الشيوخ مقاربة من منطلق طبيعة النظام الدستوري اللبناني والأنظمة البرلمانية التعددية، وبالتالي بدون اغتراب ثقافي aliénation culturelle وبدون مقاربة استنادًا الى مجالس الشيوخ في أميركا وفرنسا وبريطانيا وفي الدول ذات التنظيم الفدرالي الجغرافي.

  1. إذا كان تعيين أعضاء مجلس الشيوخ من خلال انتخابات عامة، فهذا قمّة التطييف لأنه يحمل كل ناخب الى انتخاب عضو من طائفته مما يؤدي إلى فرز مُصطنع في العائلة الواحدة استنادًا الى الانتماء المذهبي! انه تكريس لما سُمّي “مشروعًا أورثوذكسيًا” وهو مشروع جهة محدّدة ولم يتبناه المجتمع اللبناني.

        يتم تعيين أعضاء مجلس الشيوخ من قبل هيئة ناخبة مُصغّرة Collège électoral restreint من قبل الهيئات الرسمية للطوائف، واستنادًا الى معايير يتوجب التقيّد بها بشكل دقيق وصارم، في الاختصاص والخبرة، لأن الموضوع يتطلب اختصاصًا وخبرة على نمط لجنة برنار ستازي Bernard Stasi حول العلمانية في فرنسا (2003) ولجنة بوشار-تايلور Bouchard-Taylor (2008) في كندا وليس على أساس قوى سياسية وأحزاب.

  1. 7. ان المادة 65 من الدستور التي تفرض أكثرية موصوفة majorité qualifiée في ما يتعلق بـ 14 قضية مُحددة حصرًا هي الضامنة اساسًا لحماية حقوق كل مكوّنات المجتمع اللبناني. تحول المادة 65 دون طغيان فئوي minority control ودون طغيان أقلية وطغيان أكثرية abus de majorité/ abus de minorité. تم التلاعب بهذه المادة في التطبيق وخرقها من خلال شعارات “الثلث” و”التعطيل و”طغيان فئوي…” تطبيقًا لنظرية إسرائيلية، بخاصة لـ Sammy Smooha تستند الى حالات إسرائيل بالنسبة الى غرب اسرائيل وسوريا وافريقيا الجنوبية في عهد التمييز العنصري وايرلندا قبل “اتفاقية الجمعة” Friday agreement.
  2. ليس مجلس الشيوخ اللبناني غرفة ثانية Seconde Chambre، بل هيئة مساندة وليس لها صفة تشريعية.

        إذا كان لها صفة تشريعية فهذا يؤدي الى مزيد من تطييف كل القضايا بدون استثناء: سوف نطيّف الضرائب والتنظيم المدني، وأسعار السلع الاستهلاكية والإدارة…! 

  1. لا يتوجب أن يكون أعضاء مجلس الشيوخ متفرغين ولا يتقاضون تعويضات ثابتة، وربما يتقاضون تعويضات رمزية ويجتمعون في سبيل التخطيط الدائم لمجتمع الدولة الضامنة للعيش المشترك والسيادة الوطنية والثقافة اللبنانية الجامعة وحماية الثوابت اللبنانية والدفاع عن لبنان “عربي الهوية والانتماء” ورسالته العربية والدولية.
  2. ان ضمان الحريات الدينية والادارة الذاتية في ما يتعلق بالمادتين 9 و 10 من الدستور هو مُحقق بفضل المادة 19 من الدستور حيث يحق لرؤساء الطوائف الطعن بأي قانون متعلق حصرًا بهاتين المادتين. وهو محقق أيضًا بفضل المادة 65 في اشتراط أكثرية الثلثين في 14 قضية أساسية. لا يجوز بالتالي لمجلس الشيوخ أن يتضارب في صلاحياته مع المادتين 19 و 65 من الدستور.
  3. 11. من الأفضل أن تكون رئاسة مجلس الشيوخ واغلبية أعضاء مكتب مجلس الشيوخ من الطوائف الصغرى. كل الطوائف في لبنان أقليّات ولكن لدى بعضها وهم أو إدراك أكثري او مآذارة طغيان فئوي.

 

2

اقتراح القانون حول مجلس الشيوخ

 

  1. ان اقتراح القانون حول انشاء مجلس شيوخ هو معبّر عن التجاهل التام لطبيعة التعددية في المجتمع اللبناني التي هي تعددية متداخلة onverlapping membership حيث ينتمي اللبناني غالبًا الى عدة هيئات في مصالح عائلية وحياتية واجتماعية واقتصادية مشتركة خلافًا للتعددية القصوى segmented pluralism حيث، كما في بعض القبائل في مجاهل العالم، يلد الفرد ويتعلم ويتزوج ويعمل ويعاشر ويموت ويدفن ضمن جماعته.

يعني ذلك أن أي خروج عن الفلسفة التأسيسية في لبنان للهيئة الانتخابية الموحّدة Collège électoral unique يؤدي الى فرز الناس بشكل مصطنع والى تطييف السلوك الانتخابي حتى لدى الذين تخطوا الانتماءات الأولية allégeance primaires وتربطهم بالمجتمع مصالح عائلية حياتية مشروعة وصلبة ومتماسكة.

تغلّبت الانتماءات اللبنانية المتداخلة على 15 سنة من المعابر والمتاريس طوال سنوات الحروب المتعددة الجنسيات في لبنان (1975-1990) سعيًا مستحيلاً للفصل بين الطوائف والمناطق و”مذهبة” وتطييف الثوابت اللبنانية المشتركة.

  1. ورد في الأسباب الموجبة ان قانون مجلس الشيوخ هو “جزء من السلطة التشريعية”، في حين أن “القضايا المصيرية” لا تعني ولا تشمل بالضرورة صلاحية تشريعية.
  2. ورد في الأسباب الموجبة تعبير “النظام السياسي الطائفي”. يتنافى هذا التوصيف مع مضمون الدستور اللبناني، نصًّا وروحًا، لأن النظام الدستوري اللبناني ليس “طائفيًا”، بل تم ويتم تطييفه، تغطية للزبائنية، خلافًا لمضمون المادتين 12 و 95.
  3. ان “دور الطوائف في الكيان الدستوري والمؤسساتي للدولة اللبنانية”، خلافًا لما ورد في الأسباب الموجبة، هو محقّق في الدستور الحالي في حال حسن تطبيقه نصًّا وروحًا. والنص الأبرز هو المادة 19 حول حق رؤساء الطوائف في مراجعة المجلس الدستوري.
  4. عبارة “النظام التوافقي”، الواردة في الأسباب الموجبة، اجترار لشعار متداول في لبنان وخلافًا لما ورد في وصف النظام الدستوري اللبناني في مقدمة الدستور وكل تفاصيله بأنه “نظام برلماني” ويخضع بالتالي لكل قواعد الأنظمة البرلمانية، مع دمج سياقات تنافسية compétitives وتعاونية coopératives في آن تجنبًا للعزل الدائم وتجنبًا لاستغلال التباينات المذهبية في التنافس السياسي.
  5. عبارة “توافق” واردة حصرًا في المادة 65 من الدستور في سياق اتخاذ القرارات، مع وجوب الأكثرية الموصوفة majorité qualifiée في 14 قضية تجنبًا لطغيان أكثرية abus de majorité وطغيان أقلية abus de minorité.

استعملت تعابير توافق وميثاق وغيرها في لبنان وبعض المجتمعات التعددية، حصرًا في ما يتعلق ببنائها القومي التأسيسي، وليس في سياق مآذارة الحكم استنادًا الى كل المعايير الدستورية.

  1. خلافًا لما ورد في الأسباب الموجبة حول “هدف تطوير النظام السياسي اللبناني والحد من الأزمات السياسية والدستورية”، فان اقتراح القانون، وفي صيغته المقترحة، يُشكل أخطر مسار في تطييف كل المنظومة الدستورية اللبنانية، وفرزًا مصطنعًا للمواطنين، وتكريسًا للانقسامات النابعة أساسًا من التعبئة النزاعية وليس من عمق المجتمع اللبنانية.

        (يراجع تأكيدًا لبعض هذه الملاحظات كتاب: هشام الأعور، مجلس الشيوخ ومسألة تطبيقه في لبنان، 2019).

كتاب د. هشام الأعور

مجلس الشيوخ: نموذج في الاغتراب

او الاصالة في الثقافة الدستورية في لبنان

 

        كيف استطاع د. هشام الأعور التخلص من برمجة فكرية راسخة واجترارية في الفكر الدستوري السائد حول كل ما يتعلق بمصطلح وشعار “الطائفية”؟

        أوضح بعض الجوانب في هذا التحرر.

        العلماء في الشأن اللبناني libanologues قليلون.

        ولأنهم قليلون ينتشر بدون رادع المخادعون والمتلاعبون في الشأن العام الدستوري.

       

        اولاً نوعان من البنود في وثيقة الوفاق الوطني-الطائف

  1. المبادئ العامة والثوابت الميثاقية او “التعهدات الوطنية” (ادمون رباط)
  2. الشؤون التنظيمية الإجرائية التي قد تتبدل مع الزمن والتي يتوجب اعتماد مقاصدها، مثل مقاصد الشريعة وليس حرفية النص.

 

        ثانيًا ليست عبارة “طائفية” مفهومًا علميًا concept, notion ولا اطارًا حقوقيًا catégorie juridique.

        اثباتًا للالتباس ترد عبارة “طائفية” في المادة 95 من الدستور، ثم، بعد عدة أسطر، عبارة “طائفية سياسية”!

        يحصل الغمود والالتباس في دساتير عديدة في العالم لأسباب تتعلق بالثقافة السائدة في المجتمع Jeannency, Les lacunes constitutionnelles, Paris LGDJ, 2014،

        في سلة مهملات الطائفية ثلاث قضايا مختلفة، تشخيصًا ومعالجة.

  1. قاعدة التمييز الإيجابي او الكوتا (المادة 95 من الدستور) ضمانًا للمشاركة والحؤول دون مخاطر العزل الدائم discrimination positive / affirmative action. هذه القاعدة الحقوقية مطبقة بأشكال متنوعة في اكثر من أربعين بلدًا في العالم وصدرت بشأنها دراسات مقارنة منذ سبعينيات القرن الماضي.
  2. الإدارة الذاتية: الحصرية في بعض الشؤون الدينية والثقافية autonomie personnelle.
  3. لماذا تاريخيًا موضوع مجلس الشيوخ في لبنان؟

        أساس هذا الطرح:

  1. معضلة الهيئة الانتخابية الموحدة Collège électoral unique:
  2. بروز “الشارع” خلال الازمات.
  3. القمم الروحية المشتركة.
  4. المعالجة منذ 1990 من خلال المادتين 19 و65 من الدستور.

***

        ليس مجلس الشيوخ من الأمور المبدئية في وثيقة الوفاق الوطني-الطائف، بل من الشؤون الإجرائية التي يتوجب التقيد بمقاصدها.

        ان اعتماد مجلس الشيوخ – بدون تأصيل في المقاربة، على نمط ما يرد في كتاب د. هشام قد يؤدي الى مزيد من التطييف، خلافًا لمقاصد النص الدستوري. لماذا؟

  • فرز اللبنانيين الى مذاهب في سبيل تعيين أعضاء مجلس الشيوخ!

– تطييف كل القضايا (الضرائب، الانماء، القضايا الحياتية اليومية…) في عرضها على مجلس الشيوخ في حين يوجد قضايا “طائفية” في التنافس السياسي والتعبئة النزاعية ولا علاقة لها بالطوائف.

***

        وثيقة الوفاق الوطني-الطائف والدستور اللبناني هما

        – في النص – روعة في المخيلة الدستورية على المستوى العالمي والمقارن منذ سبعينيات القرن الماضي في الدراسات الدستورية المقارنة حول الإدارة الديمقراطية للتعددية الدينية والثقافية.

        اما التطبيق فهو الأسوأ اليوم المستوى العالمي والمقارن!

        ما العمل؟ ماذا يقول “الكتاب” (كما كان يردد الرئيس فؤاد شهاب).